وأكثرُ من لاكَتْ ألسنتُهم هذا الغلط، حتّى راقَ لهم ذلك، في مصنّفاتهم، نثرًا وشعرًا، الموّلّدون، ومَن حذا حذوهم من الخلف، وإنّ تتبُّع مقالاتِهم، فيه هدرٌ للزّمَن (العُمْر) فيما لا يُجدي، وليس يَخفى على البصير محلّهم من الإعراب من حيث الاحتجاجُ بملفوظ ألسنتهم شعرًا ونثرًا.
وهذا الّذي نبّهنا وأرشدنا إليه هو مَقُولُ العرب، والمختارُ عند الجماهير من أئمّة اللّغة وأرباب البيان؛ ومِن ثَمَّ جاءَ هذا الإيقاظ؛ صيانة للّسان من شَطَطِ القَول، ودَرْأً للقَلْم مِن زَيْغِ الرَّسْم.
ولك أن تطالع شيئًا من مَنقول كلام علماء العربية فيمايلي:
1.قال في المزهر (ص 182 - 183) :(ويقال: هو أخيرُ منه في لغةٍ رديئةٍ والشّائعُ خيرٌ منه بلا همز. . . ولا
يقالُ: أشرُّ النّاس إلاّ في لغة رديئةٍ). وقال في (ص 243) : (وممّا لا يُهمَز والعامّة تهمزه. . . وخيرُ النّاس وشرُّ النّاس) .
2.قال في اللّسان (4/ 264 ع 1 - 2) :"وهو خَيْرٌ منك وأَخْيَرُ. . . وقال اللّه تعالى: (فِيهِنَّ خَيْرَاتٌ حِسَانٌ) ؛ قال"
الأخفش: إنّه لمّا وَصَفَ به؛ وقيل: فلانٌ خَيْرٌ، أشبه الصّفات فأدخلوا فيه الهاء للمؤنّث ولم يريدوا به أفعل؛ وأنشد أبو عبيدة لرجل من بني عَدِيّ تَيْمِ تَمِيمٍ جاهليّ:
وَلَقَدْ طَعَنْتُ مَجامِعَ الرَّبَلاتِ * رَبَلاتِِ هِنْدٍ خَيْرَةِ المَلَكاتِ
فإن أردتَ معنى التّفضيل قلتَ: فلانةُ خَيْرُ النّاسِ ولم تقل خَيْرَةُ، وفلانٌ خَيْرُ النّاس ولم تقل أَخْيَرُ، لا يُثنى ولا يُجمع لأنّه في معنى أفعل. . ."."
وقال في (4/ 400 ع 1 - 2) :"وهو شَرُّ منك، ولا يُقال أَشَرُّ، حذفوه لكثرة استعمالهم إيّاه، وقد حكاه بعضُهم. ويقال: هو شَرُّهم وهي شَرُّهُنّ ولا يقال هو أشَرّهم. . . وهو شَرُّ النّاس؛ وفلان شَرُّ الثّلاثة وشرُّ الاثنين. وفي الحديث: ولد الزّنا شَرُّ الثلاثة. . ."
3.المغرب (1/ 438) :"شرر: قوله: (أسوأُ الطَّلاق وأَشَرُّه) الصّوابُ: وشَرُّه، يقال هذا خيرٌ من ذاك، وذاك شرٌّ من"
هذا، وأمّا أخيرُ وأشرُّ فقياسٌ متروكٌ"."
4.أدب الكاتب (ص 286 - 287) :"باب ما لا يُهمَز والعوامُّ تَهمزه. . . وفلانٌ خيرُ النّاس وشَرُّ النّاس ولا"
يُقال: أخير ولا أشرّ"."
5.الصّحاح (2/ 652 خير) :". . . فإن أردتَ معنى التّفضيل قلت: فلانةُ خيرُ النّاس ولم تقل: خَيْرَةُ، وفلانٌ"
خيرُ النّاس ولم تقل: أَخْيَرُ. لا يُثنّى ولا يُجمَع، لأنّه في معنى أفعلَ. وأمّا قول الشاعر سَبْرَة بن عَمرو الأسديّ يَرثي عَمرو ابن مسعود وخالد بن نَضْلة: (الطويل)