هذا هو السبب الذي نهي عن الحلف بغير الله لأجله.
والحلف بغير الله جاء في الحديث ابن عمر أنه شركٌ ويشير إلى هذا المعنى الحديث الذي قبله، وهومحمول على التغليظ، كما قال الترمذي رحمه الله بعد أن ذكر الحديث قال: هذا على وجه التغليظ، ونقل هذا الكلام أيضًا ابن المنذر في كتابه الأوسط عن ابن المبارك وغيره، وقالوا: هو كفرٌ دون كفر، أي أنه من الشرك الأصغر لا من الشرك الأكبر إلا إذا كان الحالف معظِّمًا للمحلوف به كتعظيمه لله، عندها يكون شركًا أكبر، وذكر ابن المنذر تأويلات أخرى انظرها في الأوسط [1] له.
ثم قال المؤلف رحمه الله): ومَن حلفَ فقال: «إن شاء الله» فقد استثنى، ولا حِنْثَ عليه)
لا حِنْث عليه أي لا يُعتبر غير بارٍ بيمينه، ولا ناقضًا لها؛ لأنه علقها بمشيئة الله، فلا تلزمه كفارة ولا إثم عليه.
معنى كلام المؤلف: مَنْ حلف على شيء وقال: إن شاء الله؛ فكأنه لم يحلف.
إن قال مثلًا: والله لأدخلنَّ دار فلان إن شاء الله، فإن دخل دار فلان فلا يعتبر حانثًا، ولا شيء عليه؛ لأنه استثنى قال: إن شاء الله.
لقوله - صلى الله عليه وسلم: «من حلف فاستثنى؛ فإن شاء رجع، وإن شاء ترك غير حَنِثٍ» [2] ، فلا يكون حانثًا بذلك.
وفي الصحيحين عن أبي هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «قال سليمان بن داود عليه السلام: لأطوفن الليلة على تسعين امرأة، تلد كل امرأة منهن غلامًا يقاتل في سبيل الله، فقيل له: قل إن شاء الله، فلم يقل. فطاف بهنَّ فلم تلد منهن إلا امرأة واحدة نصف إنسان» ، قال: فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «لو قال: إن شاء الله لم يحنث، وكان ذلك درَكًا لحاجته» [3] .
قال ابن المنذر رحمه الله: وحدثني علي عن أبي عبيد، بعد أن ذكر أحاديث توافق هذه الأخبار؛ قال: وبهذا كله كان يأخذ سفيان الثوري، وأهل العراق، ومالك، وأهل الحجاز، والأوزاعي، وأهل الشام، والليث بن سعد، وأهل مصر، وعليه جماعات العلماء من أهل
(1) الأوسط (12/ 147 - طبعة الفلاح) .
(2) أخرجه أحمد (5093) ، وأبوداود (3262) ، والترمذي (1531) ، والنسائي (3793) ، وابن ماجه (2105) من حديث ابن عمر رضي الله عنهما، والصحيح في الحديث الوقف، ورفعه خطأ، بين ذلك الترمذي والبيهقي في سننه، وله شاهد من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، قال فيه البخاري: خطأ والصواب أنه حديث سليمان الآتي، ذكر ذلك عنه الترمذي (1532) . والله أعلم
(3) أخرجه البخاري (6720) ، ومسلم (1654) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.