فهرس الكتاب

الصفحة 644 من 681

أما كونه فرضًا؛ فلقول الله تبارك وتعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ} [البقرة/216] ولقوله أيضًا: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لله} [الأنفال/39] .

وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله» [1] متفق عليه.

هذه الأدلة تدل على فرضية الجهاد.

وأما كونه فرض كفاية لا فرض عين؛ فدليله قول الله تعالى: {لاَّ يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ} [النساء/95] ، القاعدون غير أولي الضرر لا يستوون مع المجاهدين بأموالهم وأنفسهم، فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة: {فَضَّلَ اللهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلاًّ وَعَدَ اللهُ الْحُسْنَى} [النساء/95] ، هذا شاهدنا الآن قال: {وَكُلاًّ وَعَدَ اللهُ الْحُسْنَى} بما أن الله سبحانه وتعالى قد وعد الحسنى القاعدين، فلا يجب عليهم أن يخرجوا إذا خرج من فيه كفاية؛ لأنه لمّا وعد المتخلف عن الجهاد الحسنى؛ دل ذلك على أنه غير واجب عليه وجوبًا عينيًا.

هذا الدليل الأول.

والدليل الثاني: قوله تعالى: {وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُوا كَآفَّةً فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ} [التوبة/122] ، {وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُوا كَآفَّةً} أي لا ينفر جميع الأمة بالكامل تخرج للجهاد، ولكن تبقى طائفة ليتعلموا دين الله سبحانه وتعالى ويُعلِّموه للآخرين.

فهذا دل على أن هذه الفرقة التي تبقى للتعلم لا يجب عليها أن تخرج، فدلَّ ذلك على أن الخروج للجهاد فرض كفاية وليس فرض عين، إذا قام به البعض سقط عن الباقين.

هذا كله في جهاد الطلب، نتحدث عن القسم الأول وهو جهاد الطلب.

وقال أهل العلم أيضًا مؤكدين على حكم فرضية الكفاية فيه، قالوا: لا نعلم غزوة خرج فيها إلا وقد تخلف عنه فيها رجال، لا نعلم غزوةً خرج فيها النبي صلى الله عليه وسلم إلا وتخلف عنه فيها رجال، وتخلف هو نفسه صلى الله عليه وسلم عن سرايا كان قد أخرجها.

هذا كله يدل على أن الفرض هنا للكفاية لا فرض عين.

ومن ذلك قول النبي - صلى الله عليه وسلم - «لِيَنبعَثْ مِنْ كُلِّ رَجلِينِ رَجلٌ، والأجرُ بينهما» [2] .

ويجب هذا الجهاد على المسلم، البالغ، العاقل، الذكر، الحر.

أما المسلم فلأن الكافر لا يُقبل منه عمل إلا بالإسلام، هو مخاطب بفروع الشريعة؛ لكنها لا تُقبل منه إلا أن يأتي بأصلها وهو الإسلام.

وأما البلوغ فلأن ابن عمر - رضي الله عنه - حدث أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - عَرَضَهُ يَوْمَ أُحُدٍ، وَهُوَ ابْنُ أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً، فَلَمْ يُجِزْنِي ثُمَّ عَرَضَنِي يَوْمَ الخَنْدَقِ، وَأَنَا ابْنُ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً، فَأَجَازَنِي [3] .

(1) أخرجه البخاري (25) ، ومسلم (22) .

(2) أخرجه مسلم (1896) .

(3) أخرجه البخاري (2664) ، ومسلم (1868) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت