وأما كونه عاقلًا فلأن العقل هو مناط التكليف، فالمرء لا يكلف إلا أن يكون عاقلًا.
وأما الذكر فلحديث عائشة رضي الله عنها قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ عَلَى النِّسَاءِ جِهَادٌ؟ قَالَ: «نَعَمْ، عَلَيْهِنَّ جِهَادٌ لَا قِتَالَ فِيهِ: الْحَجُّ وَالْعُمْرَةُ» [1] ، فالمرأة ليس عليها جهاد واجب، أن تقاتل بالسيف.
أما الحر فنقلوا الاتفاق على أن العبد لا يجب عليه جهاد الطلب.
ويجب أيضًا أن يكون صحيحًا كي يجب عليه الجهاد، المجاهد يجب أن يكون صحيحًا لا مريضًا كي يقدر على القتال؛ لقول الله تبارك وتعالى: {لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ} [النور/61] .
قال ابن حزم في مراتب الإجماع: واتفقوا أن لا جهاد فرضًا على امرأة، ولا على من لم يبلغ، ولا على مريض لا يستطيع، ولا على فقير لا يقدر على زاد. انتهى
هذه الشروط التي يجب أن تتحقق كي يجب الجهاد على الشخص.
وهذا الجهاد وإن كان أصله كما ذكرنا هو فرض كفاية، إلا أنه يتعين في بعض الصور ويصير واجبًا عينيًا، أي يجب على كل قادر بعينه أن يخرج للجهاد، من هذه الصور:
الصورة الأولى: أن يَحضُر المكلف صف القتال، فإذا حضر القتال وجب عليه أن يقاتل، وصار القتال في حقه واجبًا عينيًا؛ لقول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلاَ تُوَلُّوهُمُ الأَدْبَارَ} [الأنفال/15] أي لا تفروا، يجب عليكم أن تقاتلوا، وجاء في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «اجْتَنِبُوا السَّبْعَ المُوبِقَاتِ» ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا هُنَّ؟ فذكرهن، قَالَ: «وَالتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ» [2] .
والصورة الثانية: إذا استنفر الحاكم أحدًا من المكلفين.
الاستنفار: طلب النفير، طلب الخروج للجهاد، الحاكم أو ولي الأمر إذا أمر شخصًا بعينه أن يخرج للجهاد صار واجبًا عينيًا عليه؛ لقول الله تبارك وتعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفِرُوا فِي سَبِيلِ اللهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ أَرَضِيتُم بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إلَّا قَلِيلٌ * إلَّا تَنفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلاَ تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [التوبة 38/ 39] .
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية، وإذا استُنفرتم فانفروا» [3] وإذا طُلِبتم للخروج للغزو وجب عليكم الخروج لأنه أمر من النبي - صلى الله عليه وسلم -.
والصورة الثالثة: فإذا احتيج إليه؛ كأن لا يقدر على استعمال سلاح معيَّن إلا هو، يصير واجبًا عينيًا عليه الجهاد، أو أنه يجيد أمرًا لا يجيده كُثُر بحيث تقوم بهم الكفاية، يجيد نوعًا من أنواع القتال أو نوعًا من أنواع استعمال الأسلحة، يوجد في الجيش من يستعمل هذا
(1) أخرجه البخاري (2901) .
(2) متفق عليه، تقدم.
(3) أخرجه البخاري (2825) ، ومسلم (1353) .