فهرس الكتاب

الصفحة 41 من 117

وأما المعنى الثاني فكتب السنة مستفيضة به والأحاديث الواردة الثابتة كثيرة أيضًا فإنهم يأتون إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - ويطلبون منه أن يدعو لهم ومن ذلك ما جاء في الصحيحين من حديث أنس في قصة الأعرابي الذي قام وعرض على النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو يخطب الجمعة وقال:"يا رسول الله هلك المال وجاع العيال وانقطعت السبل فادع الله لنا"فدعا لهم النبي - صلى الله عليه وسلم - فسقوا فلما كانت الجمعة الأخرى جاءه أعرابي وقال"رسول الله تهدم البناء وهلكت المواشي وغرق المال فادع الله لنا"فدعا لهم النبي - صلى الله عليه وسلم - بإمساك السماء، ومن ذلك أيضًا ما جاء في السنن عن عائشة - رضي الله عنها- حيث قالت: شكا الناس إلى رسول الله قحوط المطر فأمر بمنبر فوضع له في المصلى ووعد الناس يومًا يخرجون فيه"ثم دعا لهم النبي - صلى الله عليه وسلم - فهذه الأحاديث وغيرها تدل على أن هدي الصحابة في توسلهم إنما هو طلب الدعاء لهم ويشهد لذلك أيضًا قول الله تعالى:"وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَآؤُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللّهَ تَوَّابًا رَّحِيمًا" [النساء: 64] ."

الثاني: لقد فسرت بعض روايات الحديث الصحيحة كلام عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - المذكور وقصده إذ نقلت دعاء العباس - رضي الله عنه - استجابة لأمر عمر - رضي الله عنه - فمن ذلك ما نقله الحافظ العسقلاني رحمه الله في الفتح حيث قال:"قد بين الزبير بن بكار في [الأنساب] صفة ما دعا به العباس في هذه الواقعة والوقت الذي وقع فيه ذلك فأخرج بإسناد له أن العباس لما استسقى به عمر قال:"اللهم إنه لم ينزل بلاء إلا بذنب ولم يكشف إلا بتوبة وقد توجه القوم بي إليك لمكاني من نبيك وهذه أيدينا إليك بالذنوب ونواصينا إليك بالتوبة فاسقنا الغيث"قال: فأرخت السماء مثل الجبال حتى أخصبت الأرض وعاش الناس"

قال الألباني: في هذا الحديث:

أولًا: التوسل بدعاء العباس - رضي الله عنه - لا بذاته كما بينه الزبير بن بكار وغيره وفي هذا ردّ واضح على الذين يزعمون أن توسل عمر كان بذات العباس لا بدعائه إذ لو كان الأمر كذلك لما كان ثمة حاجة ليقوم العباس فيدعو بعد عمر دعاء جديدا.

ثانيًا: أن عمر صرح بأنهم كانوا يتوسلون بنبينا - صلى الله عليه وسلم - في حياته وأنه في هذه الحادثة توسل بعمه العباس ومما لاشك فيه أن التوسلين من نوع واحد: توسلهم بالرسول - صلى الله عليه وسلم - وتوسلهم بالعباس وإذا تبين للقارئ ـ مما يأتي ـ أن توسلهم به - صلى الله عليه وسلم - إنما كان توسلًا بدعائه - صلى الله عليه وسلم - فتكون النتيجة أن توسلهم بالعباس إنما كان توسلًا بدعائه أيضًا بضرورة أن التوسلين من نوع واحد. أما أن توسلهم به - صلى الله عليه وسلم - إنما كان توسلًا بدعائه فالدليل على ذلك صريح رواية الإسماعيلي في مستخرجه على الصحيح لهذا الحديث بلفظ:"كانوا إذا قحطوا على عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - استسقوا به فيستسقي لهم فيسقون فلما كان في إمارة عمر ...."فذكر الحديث نقلته من الفتح (2/ 399) فقوله:"فيستسقي لهم"صريح في أنه - صلى الله عليه وسلم - كان يطلب

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت