ويدل على ذلك: ما جاء في صحيح البخاري من حديث عائشة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - استأجر كافرًا يدله على الطريق في سفر الهجرة فاستأجر عبد الله بن أريقط ليدله على الطريق لأنه كان هاديًا خريتًا.
ثالثًا: يجوز أن نعقد معهم المعاهدات إذا كان في ذلك مصلحة للمسلمين أو أن المسلمين لا يستطيعون قتال الكفار فتجوز مصالحتهم دفعًا لشرهم وضررهم حتى تكون لهم منعة.
ويدل على ذلك:
ما جاء في صحيح البخاري من حديث المسور مخرمة ومروان ومصالحة النبي - صلى الله عليه وسلم - للمشركين في صلح الحديبية.
قال ابن القيم في زاد المعاد (3/ 126) :"فصالح ـ أي النبي - صلى الله عليه وسلم - ـ يهود المدينة، وكتب بينهم وبينه كتاب أمن، وكانوا ثلاث طوائف حول المدينة"وقال صـ 140:"وصالح قريشًا على وضع الحرب بينه وبينهم عشر سنين، على أن من جاءه منهم مسلمًا ردّه إليهم، ومن جاءهم من عنده لا يردّنه إليه"وقال صـ 143:"وكذلك صالح أهل خيبر لما ظهر عليهم على أن يجليهم منها، ولهم ما حملت ركابهم، ولرسول الله الصفراء والبيضاء، والحلقة وهي السلاح ...."
رابعًا: يجوز أن نكافئهم إذا أحسنوا إلينا وليس هذا من باب المحبة بل من باب المكافأة.
ويدل على ذلك: قوله تعالى:"لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ" [الممتحنة: 8] .
فالولد المسلم يجب عليه أن يبر والده الكافر لقوله تعالى:"وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ * وَإِن جَاهَدَاكَ عَلى أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ" [لقمان: 14 - 15] فيبره من غير أن يحبه لأن الله قال:"لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءهُمْ أَوْ أَبْنَاءهُمْ" [المجادلة: 22] وأيضًا مما يشهد لذلك ما جاء في الصحيحين من حديث أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهم عندما قدمت عليها أمها وهي مشركة فجاءت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقالت له: إن أمي جاءت وهي راغبة ـ أي راغبة في الصلة ـ أفاصلها؟ قال: نعم، صلي أمك" [نفس المرجع السابق صـ 93 مع تصرف يسير وإضافة] ."