ونقصد بهذا كله أن شاعرنا بطبيعة الحال نظرًا إلى منصبه وشدة قربه منهما لا بد أنه كان يحضر مجالسهما الحافلة بالشعر والموسيقى والرقص والغناء ولهذا كله أثر كبير في حياة شاعرنا كما نلاحظ في أشعاره. فإذا وجدنا المعتمد بن عباد يقول:
ولقد شربت الراح يسطأ نورها ... والليل قد مد الظلام رداء
حتى تبدى البدر في جوزائه ... ملكا تناهى بهجة وبهاء
وحكيته في الأرض بين مواكب ... وكواعب جمعت سنا وسناء
وجدنا شاعرنا كذلك يردد القول ويقول:
أين أيامنا؟ وأين ليال؟ ... كرياض لسن أفواف زهر
وزمان كأنما دبّ فيه ... وسن أو هفا به فرط سُكر؟
حين نغدو إلى جداول زرق ... يتغلغلن في حدائق خضر
نتعاطى الشمول مذهبة السّر ... بال والجَوُّ في مطارف عفرِ [1]
ولو أنه زاخر بهذا اللون وليس هناك أدنى شك أن مجالس الشعر والغناء هذه في كل من البلاطين تركت في مخيلة الشاعر أعمق الآثار وعلاقته مع ولادة معروفة كما نتحدث عنها في محلها.
وخلاصة القول أن الأندلس في عهد ملوك الطوائف عصر ابن زيدون- وأن ضعفت في حياتها السياسية وحيث تمزقت البلاد إلى العديد من الإمارات والدويلات وظهر بينها خلافات وصراعات إلا أن أراضي الأندلس الخصبة سببت تحسين الحياة الاقتصادية وكثرة رأس المال المادي التي أدت مع طموح أهلها العلمي إلى نهضات مختلفة - عمرانية، وزراعية وصناعية وتجارية وإلى تطور حياتها الاجتماعية التي كان عليها طابع الحرية والترف البالغ من جهة وطابع الفرقة الدينية من جهة أخرى، ونالت المرأة كذلك الحظ الوافر من الثقافة والحرية. كما أدت هذه الحالة إلى ازدهار الحياة العقلية، فكثرت المدارس والمجامع، وازدادت العناية بالكتب وأسست المكتبات القيّمة، وزخرت بحور الفلسفة وعني بالعلوم المختلفة ونبغ المؤلفون والأدباء، وبلغ الشعر وفنونه إلى أقصى حد ممكن (خاصة في مدينة بني عباد - مدينة شاعرنا الثانية-) أما الإسراف في اللهو والطرب والموسيقى والغناء الذي وجد لطبيعة الأندلس وجمالها ورخائها في كل من العصور السابقة قبل الفتح الإسلامي عند القوط والرومان وغيرهم فازداد في هذا العصر بشكل غريب.
(1) ديوان ابن زيدون (تحقيق: علي عبد العظيم) ، ص 233