وقد ابتذل حجابها بعد نكبة أبيها ثم صارت تجالس الشعراء والكتاب وتعاشرهم وتحاضرهم ويتعشقها الكبراء منهم وكانت ذات خلق جميل وأدب غني ونوادر عجيبة ونظم جيد [1] .
وقد ترجم لها ابن بشكوال فقال ولادة بنت المستكفي بالله محمد بن عبد الرحمن بن عبيد الله ابن الناصر عبد الرحمن بن محمد أديبة شاعرة جزلة القول حسنة الشعر وكانت تخالط الشعراء وتساجل الأدباء وتفوق البرعاء [2] .
ويقول صاحب المطرب:
"كانت ولادة في زمانها واحدة أوانها حسن منظر ومخبر وحلاوة مورد ومصدر وكان مجلسها بقرطبة منتدى لأحرار المصر وفناؤها ملعبًا بجياد النظم والنثر يعشو أهل الأدب إلى ضوء غرتها ويتهالك أفراد الشعراء والكتّاب على حلاوة عشرتها إلى سهولة حجابها وحلاوة منتابها تخلط ذلك بعلو وسمو أحساب على أنها سمح الله لي ولها وتغمد زللي وزللها أطرحت التحصيل وأوجدت للقول فيها السبيل بقلة بمبالاتها ومجاهرتها بلذاتها كتبت فيما زعموا على عاتقي ثوبها:"
أنا والله أصلح للمعالي ... وأمشي مشيتي وأتيه فيها
أمكن عاشقي من صحن خدي ... وأمنح قبلتي من يشتهيها [3]
وشاعرنا كما هو معروف كان يملك عاطقة مشبوبة هذه والعواطف لم تكن تظاهرًا منه لها بل إنها كانت فطرية وعلى الطبع بدون تكلف كيف لا تكون عنده عاطفة قوية وهو من أشرف العائلات في الأندلس ومن أكملها دينًا وخلقًا ومالًا وجاهًا أضف إليها جمالًا في الوجه وكياسة وظرفًا وصفه المطرب بن فتح بأنه"الحلو الظريف البارع اللطيف" [4] ونعته ابن بسام فقال"إنه فتى الآداب وعمدة الظرف" [5] إذا علمنا أنه أصبح وزيرًا وسفيرًا قبل أن يبلغ الثلاثين وكان شاعرًا وكاتبًا، كل هذه العوامل اجتمعت لابن زيدون وجعلته صاحب عاطفة قوية تعشق الجمال ويعشقها الجمال.
لذلك تفتحت أبواب قلبه على زهرة فيحاء لا تقل عنه أدبًا وظرفًا وحسبًا ونسبًا إنها ولادة بنت الخليفة المستكفي، وقد ضرب بحبهما المثل وسارت به الركبان مثالًا على الإخلاص والوله من جانب ابن زيدون والإعراض والدله من جانب ولادة.
(1) سرح العيون، ص 7
(2) الصلة، 2/ 657
(3) المطرب في أشعار أهل المغرب، ص 9
(4) الذخيرة، 2/ 287 - 288
(5) الذخيرة، 1/ 290 - 291