فهرس الكتاب

الصفحة 59 من 98

تلاقي الإهمال مع رقة قلب ابن جهور وتقواه وصلاحه وما سبب ذلك إلا حصول الاقتناع الذاتي بأن ابن زيدون ينوي القيام بثورة فكان بقاءه في السجن معناه الإبقاء على سلطان بني جهور في قرطبة.

ولعل ما يؤيد هذا أن دعوة هشام ظفرت باهتمام كبير من البربر وقد مرّ بنا أن ابن زيدون كان يميل إلى البرير - ثم لقد أحب ابن زيدون ولادة وهي من أشرف بيوت بني أمية. فكأنّ حبه لها فتح قلبه على الظلم الذي لحق بأهلها. وقد ظلت الدعوة الأموية قائمة في الأندلس وقد حاول الخليفة المعتضد بالله أن يعود إلى قرطبة بعد نفيه. ويذكر الأستاذ عبد العظيم أن ابن زيدون قد ألّف كتابًا في فضائل بني أمية سمّاه (التبيين) وقد ضاع هذا الكتاب ولعله حاول أن يبين أمجاد الأمويين تمهيدًا لاستعادة حكمهم ونحن نلاحظ أن الشاعر عندما فرّ من قرطبة التجأ إلى إشبيلية حيث بنو عباد وأنصاره في دعوته ونلاحظ أنه قد احتل مكانة مرموقة عندهم في أول وصوله ... .. ومما يؤيد ذلك أيضًا أن جميع استرحامات واستعطافات الشاعر لابن جهور كانت هي درء التهمة عن نفسه وأنه ما آمن بدعوة هشام إلا بعد أن آمن بها بابن جهور نفسه ثم يضيق ذرعًا فيقول:

هبني جنيت فكان الجهل سيئة ... لأعذر منها سوى أني من البشر [1]

ويقول أيضًا:

ومثلي قد تهفو به نشوتُ الضيا ... وملك من يعفو ومالك من مثل [2]

ويخاطبه في الرسالة الجدية فيقول"والله ما غششتك بعد النصيحة ولا انحرفت عنك بعد الصاغية ولا نصبت لك بعد التشيع فيك، ولا أزمعت يأسًا منك مع ضمان تكفّلت به الثقة عنك وعهدٍ آخذه حُسن الظن عليك ... [3] وقد بلغت به رقة الاستعطاف مداها في قوله:"

أإن زعم الواشون ما ليس مزعمًا ... تعذر في نحري وعدّر في خذلي؟

ولو أنني واقعتُ عمدا خطيئة ... لما كان بدعا من سجاياك أن تملي

وإني لتنهاني نُهاي عن التي ... أشاد بها الواشي ويقِلني عقلي [4]

(1) الديوان، ص: 260

(2) الديوان، ص: 269

(3) الديوان، ص: 697، الصاغية: الميل الناحية

(4) تملى ترجى العقوبة الديوان، ص: 268 - 269

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت