ويقول أيضًا:
عدا سمعه عقلي عنّي وأسقى إلى عِدا ... لهم في أديمي كلما استمكنوا عطُّ
وقد وسموني بالتي لست أهلها ... ولم يُمنَ أمثالي بأمثاليها قَطُّ [1]
ومع كل هذا الاستعطاف فلم يرقّ له قلب ابن جهور إذ لا بد أن هناك ذنبًا يستحق هذه القسوة وليس هناك ذنب يستحقه سوى أن يكون ابن زيدون يعمل على زوال الدولة الجهورية وقد كان هذا اقتناعًا داخليًا في نفسه ولم يكن يتحين الفرص ويختلق الأعذار لتقديم ابن زيدون أنه قد دخل السجن عن طريق القضاء وهذا ما لا يستطيع التدخل فيه. وما قتل أبو مسلم الخرساني من قبل أبي جعفر المنصور والأمين من قبل المأمون وعبد الله بن الزبير من قبل الحجاج بأمر عبد الملك وقد كان الأخير من أعز الأصدقاء علي بن الزبير قبل أن يصبح عبد الملك خليفة وهو الدليل على صدق ما وضحناه ويتعرض الأستاذ حسن جاد في كتابه عن ابن زيدون فيقول مرجع واحد من مراجع ابن زيدون الأدبية والتاريخية إلى سبب هذا السجن الذي زجه به ابن جهور ويتعرض الأستاذ جاد بمناقشة الأسباب الداخلية لسجنه ويفنّدها وحدانًا [2] فهو يستبعد أن يكون حبه لولادة مع استهتاره ومجونه سببًا لسجنه لثلاثة أسباب هي:
أولًا: أن أبا الحزم كان شاعرًا يعرف مجالات الشعر ويتهاون مع الشعراء ثم هذا ابن عبدوس عابث لاهٍ وقد أحب ولادة ولم يتعرض له أبو الحزم ولو كان هذا السبب في سجن ابن زيدون لكان تحذيرًا واحدًا من الأمير يكفي في ردعه ولكن هذا لم يكن.
ثانيًا: جميع قصائد ابن زيدون الاستعطافية مستهلة بالغزل فكيف يستعطف الأمير بما كان السبب في سجنه.
ثالثًا: لقد كان ابن زيدون معروفًا لأبي الحزم بن جهور ومنذ ريعانه خصوصًا وأن الأمير يكبر ابن زيدون بثلاثين سنة وقد اختاره أن يكون سفيره ووزيره فكيف ينكر منه ما استساغه من أفعاله [3]
ويتعرض الأستاذ جاد إلى الرأي الذي رجّحه الأستاذ عبد العظيم وهو أن طبع ابن زيدون في الحكم بعد أن اعتلى أرفع المناصب وأصبحت له الشهرة الكافية حتى أصبح الأمراء يخطبون وده ويتمنون حظوته والأستاذ عبد العظيم يشعّب هذه الدعوة شعبتين؛ الأولى أن تكون هذه هي الوشاية التي أوصلها
(1) الديوان، ص 292
(2) في المراجع القديمة، أما كتاب علي عبد العظيم عن ابن زيدون الذي نال به درجة الماجستر فقد طبع عام 1957 م وكتاب الأستاذ حسن جاد طبع سنة 1955 م فالأستاذ جاد على الصواب.
(3) ابن زيدون (لحسن جاد حسن)