الكلام في خلافاتهم الكلامية المبتدعة أيكون القرآن بهذا المعنى الثاني مخلوقا أم لا؟ ورجحوا أن يكون مخلوقا، و خرجوا بذلك عن منهج السلف الصالح فيما لم يرد في كتاب و لا سنة، و تناولوا صفات الله بالتحليل الفلسفي الذي يؤدي إلى التشكيك في عقيدة التوحيد [1] .
ولو أن المتكلمين الذين عنوا بإثبات العقائد و الجدل سلكوا مسلك القرآن، و ساروا في سمته لكان علمهم أكثر فائدة، و لكنهم سلكوا مسلك المنطق و قيوده، و البرهان و أشكاله، فكان علمهم للخاصة من غير أن يفيد العامة، فإن العامة يدركون دقائق القرآن على قدر عقولهم، ولا يدركون شيئا من أشكال الأقيسة.
و قد وازن الغزالي في كتابة إلجام العوام عن علم الكلام بين أدلة القرآن و طريقة المتكلمين، فقال رضى الله عنه: أدلة القرآن مثل الغذاء، ينتفع به كل إنسان، وأدلة المتكلمين مثل الدواء ينتفع به آحاد الناس، و يستضر به الأكثرون، بل إن أدلة القرآن كالماء الذي ينتفع به الصبي الرضيع، و الرجل القوي، و سائرا الأدلة كالأطعمة التي ينتفع بها الأقوياء مرة و يمرضون بها أخرى، ولا ينتفع بها الصبيان أصلا [2] .
2)لو فرضنا اتفقت بعض مناهج الاستدلال في القرآن مع بعض القواعد المنطقية في نتائج صحيحة لا يعد دليلا على أن القرآن سلك في جدله منهج المنطق اليوناني أو أنه صورة مقتبسة منه، إلا أنه يدل على توافق القرآن مع الاستدلال الصحيح، و المنطق اليوناني ليس معصوما من الخطأ منه ما يكون صحيحا يوافقه القرآن في جدله، و منه ما يكون غير صحيح فلا يمنع من اتفاق الحق في نتيجة صحيحة [3] . يقول الدكتور التهامي نقرة في هذا الصدد أيضا: أمّا ما جاء فيه موافقا لبعض أقيسة المنطق في
(1) القطان، مباحث في علوم القرآن، ص 49.
(2) أبو زهرة، المعجزة الكبرى القرآن، ص 411.
(3) الألمعي، مناهج الجدل في القرآن الكريم، ص 97.