مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا).
3 -جداله مع النمرود.
قال تعالى: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ) [1] ، قال الفراء: ألم تر بمعنى هل رأيت: أي هل رأيت الذي حاج إبراهيم و هو النمرود، (أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ) أي: لأن آتاه الله أو من أجل آتاه الله الملك أبطره و أورثه الكبر و العتو، فحاج لذلك، (إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ) أي: أراد إبراهيم عليه السلام أن الله هو الذي يخلق الحياة و الموت في الأجساد، وأراد الكافر أنه يقدر أن يعفو عن القتل فيكون ذلك إحياء، وعلى القتل يكون إماتة، فكان هذا جوابا أحمق لا يصح نصبه في مقابلة حجة إبراهيم، ولكن إبراهيم عليه السلام انتقل إلى حجه أخرى (فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ) لكون هذه الحجة لا تجري فيها المغالطة ولا يتيسر للكافر أن يخرج عنها بمخرج مكابرة و مشاغبة، (فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ) بهت الرجل و بهت: إذا انقطع و سكت متحيرا [2] .
وذكر الأصوليون في هذه الآية أن إبراهيم عليه السلام لما وصف ربه تعالى: بما هو صفة له من الإحياء و الإماتة - لكنه أمر له حقيقة و مجاز - قصد إبراهيم عليه السلام إلى الحقيقة، وفزع النمرود إلى المجاز وموًه على قومه، فسلم له إبراهيم تسليم الجدل، و انتقل معه من المثال، و جاءه بأمر لا مجاز فيه (فبهت الذي كفر) أي:
(1) سورة البقرة، من الآية: 258.
(2) الشوكاني، محمد بن علي بن محمد، فتح القدير الجامع بين فني الرواية و الدراية من علم التفسير، د، ط (عالم الكتب، د، ت) ، 1/ 277.