وهؤلاء اختلَفوا: هلْ أفاد الحصر بالمنطوق أم بالمفهوم؟
فمنهم مَنْ قال بالأول، ومنهم مَنْ قال بالثاني (1) .
واحْتَجّوا لِذلك: بأنّ المبتدأ يجوز أنْ يَكون أَخَصّ مِنَ الخبر أو مُساوِيًا ويَمْتَنِع أنْ يَكون أَعَمّ لغةً وعقلًا، فلا يجوز أنْ نقول: الحيوان إنسان ..
والمُساوِي يجب أنْ يَكون محصورًا في مُساويه، والأخصّ محصورًا في أَعَمِّه؛ وإلا لَمْ يَكُنْ أَخَصَّ ولا مُساوِيًا.
فَدَلّ ذلك على أنّ حَصْر المبتدأ في الخبر حُجَّة، وهو المُدَّعَى (2) .
المذهب الثاني: أنَّه لَيْس حُجَّةً، فلا يَدُلّ على الحصر.
وهو ما عليه الحنفيّة والقاضي أبو بَكْر - رحمه الله تعالى - وجماعة مِنَ المتكلِّمين، واختاره الآمدي رحمه الله تعالى (3) .
واسْتَثْنَى الحنفيَّةُ الحصرَ المستفادَ باللاّم الاستغراقيّة المفيدة لِلعموم والجزء الآخر الأخصّ: كـ"العالِم والرَّجُل زَيْد"تَقَدَّم أو تأخَّر؛ فهذا يَدُلّ على أنّ الحصر مفهومًا لا منطوقًا مِمَّا لا يَنْبَغِي أنْ يَقَع فيه خِلاَف؛ لِلقَطْع بأنَّه لا نُطْق بالنفي أصلًا.
أمَّا إذا كان الحصر مستفادًا مِنَ الإضافة: نَحْو"صديقي زَيْد"فإنَّه إنْ أَخَّر نَحْو"زَيْد صديقي"فإنَّه لا يفيد الحصر؛ لانتفاء عمومه، ويَنْدَرِج عندهم ... - حينئذٍ - في بيان الضرورة.
واسْتَدَلّوا لِذلك: بأنّ الحصر المذكور مُرَكَّب مِنْ جزْأيْن: إثبات ونَفْي ..
واللفظ ناطِق بالأول فقط، فيثبت الجنس (الصداقة) برُمّته لِواحد بحيث لا يوجَد في غَيْره.
والثاني وهو النفي عن الغَيْر: فإنَّه يثبت لِضرورة اتحاد الجنس بجملته معه، فالدّالّ عليه أمْر معنويّ ومسكوت عنه، وهو غَيْر ظاهِر.
وإذا كان كذلك .. كان حَصْر المبتدأ في الخبر لَيْس مأخوذًا مِنْ مفهوم اللفظ،
(1) يُرَاجَع: المستصفى /271 والبرهان 1/ 478 - 480 والمسوَّدة /362 وروضة ... الناظر 2/ 789 وشَرْح تنقيح الفصول /58 والبحر المحيط 4/ 52 وجَمْع الجوامع 1/ 252 وشَرْح مختصر الروضة 2/ 750 وشَرْح الكوكب المنير 3/ 518، 519 وشَرْح طلعة الشمس 1/ 264 وإرشاد الفحول /182
(2) يُرَاجَع: المستصفى /271، 272 وشَرْح تنقيح الفصول /58 وحاشية ابن القيّم 1/ 59
(3) يُرَاجَع: الإحكام لِلآمدي 3/ 107 وتيسير التحرير 1/ 134