فهرس الكتاب

الصفحة 120 من 132

وهو ما عليه الحنفيَّة وأصحاب الرأي؛ لِعدم حُجِّيَّة مفهوم المخالَفة عندهم.

واحْتَجّوا: بأنّ الصفة هُنَا ليست قيدًا في الحُكْم، وإنَّمَا هي على جهة الوصف الفاضل، وهو بمنزلة قوله تعالى {فَإِن خِفْتُمْ أَلا تَعْدِلُوا فَوَحِدَة} (1) ، فإنْ خاف ألاّ يَعْدِل فتَزَوَّج أَكْثَرَ مِنْ واحدة جاز، ولكنّ الأفضل ألاّ يَتزوج؛ فكذلك هُنَا الأفضل ألاّ يَتَزَوَّج إلا مُؤْمِنَةً، ولو تَزَوَّج غَيْرَهَا جاز ..

وقياسًا على الزواج مِنَ الحرائر مِنَ الكتابيّات جازت الإماء (2) .

والأَوْلَى عندي: ما عليه الجمهور؛ عملًا بمفهوم المخالَفة.

ويُعَضِّد اختياري في ذلك: ما ذَكَره ابن جرير الطبري (3) - رحمه الله تعالى - في قوله:"وأَوْلَى القوْليْن في ذلك بالصواب: قول مَنْ قال: هو دلالة على تحريم نكاح إماء أهْل الكِتَاب؛ فإنّهنّ لا يَحللن إلا بمِلْك اليمين، وذلك أنّ الله جَلّ ثناؤه أَحَلّ نكاح الإماء بشروط، فما لَمْ تَجْتَمِع الشروط التي سَمَّاهَا فيهنّ فَغَيْر جائز لِمُسْلِم نكاحهنّ .."

فإنْ قال قائل: فإنّ الآية التي في"المائدة"تَدُلّ على إباحتهنّ بالنكاح؟

قيل: إنّ التي في"المائدة"قَدْ أبان أنّ حُكْمَهَا في خاصّ مِنْ مُحْصَنَاتِهِمْ، وأنَّهَا مَعْنِيّ بها حرائرهم دون إمائهم ..

قوله تعالى {مِن فَتَيَتِكُمُ الْمُؤْمِنَت} (4) : وليست إحدى الآيتيْن دافعًا حُكْمُهَا حُكْمَ الأخرى، بلْ إحداهما مُبَيِّنةٌ حُكْمَ الأخرى، وإنَّمَا تَكون إحداهما دافعةً حُكْمَ الأخرى لو لَمْ يَكُنْ جائزًا اجتماع حُكْمَيْهِمَا على صِحَّة، فأمَّا وهُمَا جائزٌ اجتماع حُكْمِهِمَا على الصِّحَّة فَغَيْر جائز أنْ يُحْكَم لإحداهما بأنَّهَا دافعةٌ حُكْمَ الأخرى إلا بِحُجَّة يجب التسليم بها مِنْ خَبَر أو قياس، ولا خَبَر في ذلك ولا قياس، والآية مُحْتَمِلة ما قُلْنَا: والمُحْصَنَات مِنْ حرائر الذين أوتوا الكِتَاب مِنْ قَبْلِكُمْ دون إمائهم" (5) ا. هـ."

(1) سورة النساء مِنَ الآية 3

(2) يُرَاجَع: تفسير القرطبي 5/ 140 والهداية 1/ 193، 194 وأحكام القرآن لِلجصّاص 2/ 164 وأحكام القرآن لِلكيا الهراسي 1/ 303 وأحكام القرآن لِلشافعي 1/ 188

(3) الطبري: هو أبو جَعْفَر مُحَمَّد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالِب الطَّبَرِي رحمه الله تعالى، وُلِد سَنَة 224 هـ، استوطَن بغداد وأقام بها، ورَحَل إلى الآفاق في طلب العِلْم.

مِنْ مصنَّفاته: جامِع البيان في تفسير القرآن، تاريخ الأُمَم والملوك، تهذيب الآثار.

البداية والنهاية 11/ 156 - 158

(4) سورة النساء مِنَ الآية 25

(5) جامِع البيان 8/ 190

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت