فلو لَمْ يَكُنْ مفهوم المخالَفة حُجَّةً لَمَا مَنَعَها ابن عبّاس - رضي الله عنهما - مِن الميراث عند وجود الولد (1) .
الدليل الثاني: قوله تعالى {فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَوةِ إِنْ خِفْتُمْ أَن يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا} (2) ..
وَجْه الدّلالة: أنّ هذا النَّصّ أفاد منطوقه جواز قَصْر الصلاة حالَ الخوف، وأفاد مفهومه المخالِف عدم جواز قَصْرِهَا عند الأمن ..
ولِذَا سأل يعلى بن أميّة (3) عُمَرَ رضي الله عنهما:"مَا بَالُنَا نَقْصِرُ وَقَدْ أَمِنَّا؟"فوافَقه عُمَر - رضي الله عنه - حيث قال:"عَجِبْتُ مِمَّا عَجِبْتَ مِنْهُ فَسَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - عَنْ ذَلِكَ فَقَال {صَدَقَةٌ تَصَدَّقَ اللَّهُ بِهَا عَلَيْكُمْ، فَاقْبَلُوا صَدَقَتَه} (4) (5) ."
فدَلّ ذلك على أنّ مفهوم المخالَفة حُجَّة؛ وإلا لَمَا كان لِلتعجب محلّ ولأَنْكَره النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - (6) .
مُنَاقَشَة هذا الدليل:
وقَدْ نُوقِش هذا الدليل: بأنّ الإتمام واجب بحُكْم الأصل، فلَمَّا اسْتَثْنَى حالةَ الخوف بَقِيَتْ حالة الأمن على مقتضاه، فلِذلك عَجِبَا أو تَعَجَّبَا - رضي الله عنهما - حيث خولف الأصل، كَمَا أنّ الآية لم يَثْبُتْ بها انتفاء الحُكْم عند انتفاء الشَّرْط، فَدَلّ ذلك على انتفاء الدليل.
الجواب عن هذه المُنَاقَشَة:
وقَدْ رُدَّتْ هذه المُنَاقَشَة: بأنَّا لا نُسَلِّم أنّ الإتمام هو الأصل؛ لِعدم
(1) يُرَاجَع: التبصرة /219 وقواطع الأدلّة 2/ 20 والإحكام لِلآمدي 3/ 83 والبرهان 1/ 458، 459 والمستصفى /268 والمبدع 6/ 141
(2) سورة النساء مِنَ الآية 101
(3) يَعْلَى بن أميّة: هو الصّحابيّ الجليل أبو خَلَف يَعْلَى بن أميّة بن هَمّام التميمي المكّي - رضي الله عنه -، أَسْلَم يَوْم الفتح، شَهِد الطائف وتبوك، كان عاملًا لِعُمَر - رضي الله عنه - على نجران، وعلى اليَمَن لِعُثْمَان - رضي الله عنه -.
تُوُفِّي - رضي الله عنه - سَنَة 47 هـ.
سِيَر أعلام النُّبَلاَء 3/ 100 - 101 وتهذيب الكمال 22/ 378 - 380
(4) أَخْرَجه مُسْلِم في كِتَاب صلاة المسافرين وقَصْرِهَا برقم (1108) والترمذي في كِتَاب تفسير القرآن عَنْ رسول الله: باب مِنْ سورة النساء برقم (2960) وأبو داود في كِتَاب الصلاة: باب صلاة المُسَافِر برقم (1014) .
(5) يُرَاجَع: تفسير القرطبي 5/ 360، 363 وتفسير الطبري 5/ 243 والأُمّ 1/ 179 ... والمهذّب 1/ 101 وإحكام الفصول /518 والتمهيد لابن عَبْد البَرّ 11/ 174 والمُحَلَّى 4/ 267
(6) يُرَاجَع التبصرة /219