وجود ما يَدُلّ عليه، وإنَّمَا القَصْر هو الأصل؛ بدليل ما رُوِي عن عُمَر والسيدة عائشة (1) وابن عبّاس - رضي الله عنهم - أنّ الصلاة إنَّمَا فُرِضَتْ ركْعتيْن، فأُقِرَّتْ صلاة السفر، وزِيد في صلاة الحضر (2) ..
فَدَلّ ذلك على أنّ فَهْمهما بوجوب الإتمام وتَعَجُّبهما إنَّمَا كان لِمخالَفة دليل الخِطَاب (3) .
الدليل الثالث: قوله تعالى {اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُم} (4) ..
وَجْه الدّلالة: أنّ هذا النَّصّ أفاد منطوقه عدم مغفرة الله تعالى لِلمنافقين حتّى وإنِ استغفَر لهم الرسول - صلى الله عليه وسلم - سبعين مَرّةً، وأفاد مفهومه المخالِف انتفاء الحُكْم إنْ زاد العَدَد عن السبعين، ولِذا قال النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - {لأَزِيدَنَّ عَلَى السَّبْعِين} (5) ..
فَدَلّ ذلك على أنّ مفهوم المخالَفة حُجَّة؛ وإلا لَمَا قال النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - ذلك (6) .
مُنَاقَشَة هذا الدليل:
وقَدْ نُوقِش هذا الدليل مِن وجوه، وأَكتفي بما ذَكَره حُجَّة الإسلام الغزالي ... - رحمه الله تعالى - مِن وجوه ثلاثة:
الوجه الأول: أنّ هذا خبرُ واحدٍ لا تَقوم به الحُجَّة في إثبات اللغة، والأظهر أنَّه غَيْر صحيح؛ لأنَّه - صلى الله عليه وسلم - أَعْرَف الخَلْق بمَعاني الكلام، وذِكْر السبعين جَرَى مبالَغةً في اليأس وقَطْع الطمع عن الغفران، كقول القائل: اشفع أو لا تَشفع
(1) السَّيِّدَة عائشة: هي أمّ عبد الله الصِّدِّيقة بنت الصِّدِّيق السيدة عائشة بنت أبي بَكْر عبد الله ... ابن عثمان، أُمّ المؤمِنين، وُلِدَت قَبْل الهجرة بتِسْع سنوات، تَزَوَّجَها النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - بَعْد الهجرة ..
تُوُفِّيَت رضي الله عنها بالمدينة سَنَة 58 هـ.
الإصابة 9/ 359
(2) أَخْرَجه البخاري في كِتَاب الصّلاة: باب كَيْف فُرِضَتِ الصّلاة في الإسراء؟ برقم (237) ومُسْلِم في كِتَاب صلاة المسافِرين وقَصْرِهَا برقم (1105) والنسائي في كِتَاب الصّلاة: باب كَيْف فُرِضَتِ الصّلاة؟ برقم (449) .
(3) يُرَاجَع: الإحكام لِلآمدي 3/ 84 وروضة الناظر 2/ 780، 781
(4) سورة التوبة مِنَ الآية 80
(5) أَخْرَجه البخاري في كِتَاب تفسير القرآن: باب قوله {اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُم} برقم (4302) ومُسْلِم في كِتَاب فضائل الصّحابة: باب مِنْ فضائل عُمَر برقم (4413) ، كلاهما عَنِ ابن عُمَر رضي الله عَنْهُمَا.
(6) يُرَاجَع: البرهان 1/ 458، 459 والمستصفى /267 وإحكام الفصول /520، 521 ومختصر المنتهى مع شَرْح العضد 2/ 177، 178