وإنْ شَفَعْتَ لهم سبعين مَرّةً لَمْ أَقْبَلْ منك شفاعتك (1) .
الجواب عن هذا الوجه مِن المُنَاقَشَة:
وأَرَى أنّ هذا الوجه مردود بوجْهيْن:
الأول: أنّا لا نُسَلِّم أنّ خبر الآحاد لا تَقُوم به الحُجَّة في إثبات اللغة.
الثاني: أنّا لا نُسَلِّم عدم صِحَّة الحديث، حتّى وإنْ سَلَّمْنَا - جَدَلًا - فظاهِر النَّصّ ليس فيه ما يَقْطَع طمع الغفران أو طلبه ورجائه خاصّةً مِمَّنْ بَعَثه الله تعالى رحمةً لِلعالَمين - صلى الله عليه وسلم -.
والقَطْع كَمَا في قوله تعالى {وَلا تُصَلّ عَلَى أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَدًا وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَسِقُون} (2) ، ولِذَا امتنَع النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - عن الصلاة على المنافقين لِدلالة منطوق النَّصّ على ذلك، وهذا غَيْر متحقِّق في دليلنا؛ لأنَّه جَلّ وعَلاَ لم يَقُلْ: فلنْ يَغفر الله لهم أبدًا.
الوجه الثاني: أنّ النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - قال {لأَزِيدَنَّ عَلَى السَّبْعِين} ولم يَقُلْ (لِيغفر لهم) ، فما كان ذلك لانتظار الغفران، بلْ لَعَلّه لاستمالة قلوب الأحياء منهم؛ لِمَا رأَى مِن المصلحة فيهم، ولِترغيبهم في الدِّين، لا لانتظار غفران الله تعالى لِلمَوْتَى مع المبالَغة في اليأس وقَطْع الطمع (3) .
الجواب عن هذا الوجه مِن المُنَاقَشَة:
وهذا مردود عندي بوجْهيْن:
الأول: أنّ النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - أَفْصَح الخَلْق وأَبْلَغُهم على الإطلاق، وقَدْ أُوتِي جوامع الكَلِم، ولِذا اكتفَى النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - بقوله {لأَزِيدَنَّ عَلَى السَّبْعِين} ولم يَقُلْ (لِيغفر لهم) لأنّ الآية تَتحدَّث عن مغفرة الله تعالى لهم، وهو المَعْنَى الأقرب إلى النَّصّ، وليس استمالةًَ لِقلوب الأحياء كَمَا ذَهبتم.
الثاني: حديث ابن عبّاس رضي الله عنهما {لَوْ أَعْلَمُ أَنِّي إِنْ زِدْتُ عَلَى السَّبْعِينَ يُغْفَرْ لَهُمْ لَزِدْتُ عَلَيْهَا} (4) (5) يؤكِّد أنّ العِلَّة في الزيادة على السبعين
(1) المستصفى /267
(2) سورة التوبة الآية 84
(3) المستصفى /267
(4) أَخْرَجه البخاري في كِتَاب الجنائز: باب ما يُكْرَه مِنَ الصّلاة على المنافقين برقم (1277) والترمذي في كِتَاب تفسير القرآن عنْ رسول الله: باب مِنْ سورة التوبة برقم (3022) والنسائي في كِتَاب الجنائز: باب الصلاة على المنافقين برقم (1940) ، كُلّهم عَنْ عُمَر - رضي الله عنه -.
(5) يُرَاجَع: تفسير القرطبي 8/ 218، 219 وأحكام القرآن لِلجصّاص 4/ 351 وفَتْح القدير 2/ 387 وتفسير القرآن العظيم 2/ 377 وتفسير الطبري 10/ 198، 199