وهذه لا نِزَاع فيها، وإنَّمَا النزاع في لزوم انتفائه مِن انتفاء شَرْطه (1) .
جوابي عَنْ هذه المناقَشة:
وهذه المناقَشة أراها مردودةً: بأنَّنا سَلَّمْنَا أنّ هذه الصورة لا نِزَاع فيها؛ لأنّ الشَّرْط فيها عقليّ وشرعيّ، ومحلّ نِزَاعنا هو الشَّرْط اللغوي الذي هو سَبَب لِلحُكْم، وما دام كذلك كان الحُكْم مرتبِطًا به وجودًا وعدمًا، فيَنْتَفِي بانتفائه.
الدليل الرابع: أنّ النُّحَاة قالوا: إنّ"إذا"و"إنْ"و"لو"و"مَتَى"أدوات شَرْط والشَّرْط معلوم أنّ انعدامه يعدم المشروط؛ لأنَّه لا يوجَد إلا به، وإذا كان كذلك كانت هذه الأدوات دالّةً على انتفاء المشروط عند انتفاء الشَّرْط، وهو المُدَّعَى.
مُنَاقَشَة هذا الدليل:
وقَدْ نوقش هذا الدليل مِنْ وجْهيْن:
الوجه الأول: أنّ الحُجَّة عندنا ليست في تسمية النُّحاة، وإنَّمَا في كلام اللّغويّين؛ لأنّهم يضعون الألفاظ لِمَعانيها الحقيقيّة، ولَمْ يَرِدْ عنهم ما يَدُلّ على تسمية هذه الأدوات بـ"أدوات الشَّرْط"حَتّى يَنْتَفِي الحُكْم بانتفائها.
الجواب عَنْ هذا الوجه:
وقُدْ رُدّ هذا الوجه مِنَ المناقَشة: بأنّ استعمال النّحويّين لِهذه الأدوات ... في الشَّرْط دليل على أنّ اللّغويّين قَدْ وَضَعوها لِذلك؛ وإلا لَكان مَعْنَى هذا ... أنّ النّحويّين قَدْ نَقَلوها مِنْ مَعْنَاهَا إلى مَعْنىً آخَر، والنقل خِلاَف الأصل، ... ولا يصار إليه إلا بدليل.
الوجه الثاني: سَلَّمْنَا وَضْع اللّغويّين لِهذه الأدوات لِلشَّرْط، لكنْ لا نُسَلِّم أنّ نَفْي الشَّرْط يَلْزَم منه انتفاء المشروط دائمًا، وإنَّمَا محلّ ذلك إذا لَمْ يَكُنْ لِلمشروط إلا شَرْط واحد، أمَّا إذا كان له شرطان على البدل - كالصلاة لِلوضوء والتيمم - فإنّ نَفْي أحدهما على التعيين لا يَدُلّ على نَفْي المشروط لِجواز بقائه مع البدل، فَدَلّ ذلك على أنّ نَفْي الشَّرْط لا يَدُلّ على نَفْي المشروط دائمًا.
الجواب عَنْ هذا الوجه:
وقَدْ رُدّ هذا الوجه مِنَ المناقَشة: بأنَّه خارِج محلّ نزاعنا، وهو الشَّرْط المُعَيَّن الذي قام الدليل على شَرْطيّته بخصوصه ..
أمَّا إنْ كان المشروط له شرطان على البدل لَمْ يَكُنِ الشَّرْط واحدًا مُعَيَّنًا منهما
(1) الإحكام لِلآمدي 3/ 97 - 99 بتصرف.