ولعل الباحث المستعجل يفهم منه أن الحديث صحيح من الطريقين جميعا، إذ إن الإسناد الأول ظاهره سليم، ويوحي بصحته، ولا يظهر للناظر فيه صلة بينه وبين الإسناد الثاني حتى يقوم بالمقارنة بينهما.
لكن الواقع شيء آخر فإن الإسناد الأول أخطأ فيه جرير بن حازم، رغم كونه من ثقات المسلمين - على حد تعبير الحافظ ابن عدي -، والحديث غير ثابت عن أنس ولا عن ثابت عنه أصلا، إذ لم يروه أحد من أصحاب ثابت عنه إلا جرير، ولا شك أن تفرده عنه بما لا يعرفه أصحابه يشكل نقطة استفهام حول مدى صحة روايته وضبطه.
فلما كان هذا الحديث عند الثقات من معاصري جرير، مشهورا عن يحيى بن أبي كثير عن عبد الله بن أبي قتادة عن أبيه تبين أن ما رواه جرير مقلوب، وكان عليه أن يرويه كما يروي غيره من معاصريه.
ثم وجدنا عند إسحاق بن عيسى الطباع ما يؤكده وهو يقول: حدثت حماد بن زيد بحديث جرير بن حازم عن ثابت عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"إذا أقيمت الصلاة فلا تقوموا حتى تروني"فأنكره، وقال: إنما سمعه من حجاج الصواف عن يحيى بن أبي كثير عن عبد الله بن أبي قتادة عن أبيه في مجلس ثابت وظن أنه سمعه من ثابت [1] .
ويحكيه ابن عدي بسياق آخر أكثر وضوحا ويقول:
''وعن حماد بن زياد: كنا جلوسا يوما، ومعنا حجاج الصواف، ومعنا جرير بن حازم وثابت البناني، فحدث حجاج بحديث عبد الله بن
(1) - حكاه العقيلي في الضعفاء 1/ 198 - 199 وابن عدي في الكامل 1/ 551، وابن الصلاح في مقدمته ص:135 (مع التقييد والإيضاح) .