ومما ينبغي فهمه في هذا الصدد أن مجرد المخالفة لا يعني علة في الحديث، وإنما لقرينة تنبه العالم بهذا الشأن أن هذه المخالفة إنما جاءت لخطأ وقع من الراوي المخالف، والقرينة في مثل هذا تتمثل في سلوك الجادة، فإن الجادة هي أن يسوق الحديث في مساق واحد، وهو عادة رفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وأما إذا وجدنا الراوي يقوم بالفصل بين القدر المرفوع والقدر الموقوف فذلك دليل على يقظة ذلك الراوي، بخلاف من خلط بينهما، ولا ينقدح ذلك إلا في ذهن من مارس هذا الفن حق الممارسة. والله أعلم
ومثال آخر: مارواه الدار قطني من طريق بشر بن عمر حدثنا شعبة عن أنس بن سيرين قال: سمعت ابن عمر يقول: طلقت امرأتي وهي حائض، فأتى عمر النبي صلى الله عليه وسلم فسأله فقال: مره فليراجعها فإذا طهرت فليطلقها إن شاء، قال فقال عمر: يا رسول الله أفتحتسب بتلك التطليقة؟ قال: نعم [1] .
قوله: (فقال عمر يا رسول الله ... ) إلى آخره مدرج، لم يرفعه إلا بشر بن عمر، وهو خطأ ووهم، والصواب أن الاستفهام جاء من طرف ابن سيرين، والجواب إنما هو من ابن عمر رضي الله عنهما. بين ذلك محمد بن جعفر ويحيى بن سعيد القطان والنضر بن شميل وخالد بن الحارث وبهز بن أسد وسليمان بن حرب في روايتهم عن شعبة، وحديث بعضهم في الصحيحين [2] .
ثالثا: أن يكون الإدراج في الوسط، وهو قليل الوقوع.
مثاله: ما رواه الدارقطني في سننه من رواية عبد الحميد بن جعفر عن هشام بن عروة عن أبيه عن بسرة بنت صفوان قالت سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول (من مس ذكره أو أنثييه أو رفغه فليتوضأ) .
(1) - المصدر نفسه في كتاب الطلاق 4/ 5 - 6.
(2) - انظر النكت 2/ 815 - 816.