وتكلم أحمد أيضا فيما حدث به الوليد من حفظه بمكة [1] .
فإذا أعل النقاد من أحاديث الوليد ما تفرد به، فربما يكون ذلك لمثل تلك الملابسات والقرائن التي سبق الإشارة إليها عموما، وليس لأن تفرد الثقة غير مقبول عندهم مطلقا، ولا لأن الناقد يشترط التعدد لصحة الحديث.
وهذه بعض النصوص التي تفيد أن الثقة تختلف حاله باختلاف شيوخه أو باختلاف مواطن تحديثه، أو باختلاف أوقاته، كما تلقي هذه النصوص، وهي ليست إلا غيضا من فيض، الأضواء الكاشفة على أمور خفية قد تكون هي من أسرار تعليل النقاد بعض ما تفرد به الثقة من الأحاديث.
وما أروع ما قاله الشيخ العلامة عبد الرحمن المعلمي (رحمه الله) ولله دره، يقول:
إذا استنكر الأئمة المحققون المتن، وكان ظاهر السند الصحة فإنهم يتطلبون له علة فإذا لم يجدوا علة قادحة مطلقا حيث وقعت أعلوه بعلة ليست بقادحة مطلقا، ولكنهم يرونها كافية للقدح في ذلك المنكر. (وذكر أمثلة له) .
وحجتهم في هذا أن عدم القدح بتلك العلة مطلقا إنما بني على أن دخول الخلل من جهتها نادر، فإذا اتفق أن يكون المتن منكرا يغلب على ظن الناقد بطلانه فقد تحقق وجود الخلل، وإذا لم يوجد سبب له إلا تلك العلة، فالظاهر أنها هي السبب، وأن هذا من ذاك النادر الذي يجيء الخلل فيه من جهتها.
وبهذا يتبين أن ما يقع ممن دونهم من التعقب بأن تلك العلة غير قادحة وأنهم قد صححوا ما لا يحصى من الأحاديث، مع وجودها فيها،
(1) - شرح العلل ص:332.