والله - عز وجل - لما علم آدم الأسماء فقال: { وَعَلمَ آدَمَ الأَسْمَاء كُلهَا } [البقرة:32] ، علمه الأسماء كألفاظ تدل بالمطابقة على تمييز الأشياء والعلم بخصائصها والتعرف على حقائقها ذاتا وصفة مطابقة وتضمنا والتزاما، وليس الذي تعلمه آدم - عليه السلام - كما يفهم البعض هو مجرد ألفاظ أو كلمات يستعملها هو وأبناؤه؛ بل إنه تعلم الشيء واسمه وخاصيته وأنواع دلالته مطابقة وتضمنا والتزاما، فالذي عرضه الله سبحانه على الملائكة أعيان الأشياء بذواتها وصفاتها وليست معاني أو كلمات لا مدلول لها ولا حقيقة، وإنما علم الله آدم الشيء المادي المحسوس الذي يمكن أن يحمل الاسم المعين، وكذلك تأثير كل شيء في غيره وما ينشأ عن ذلك من المعاني والعلوم، وهذا واضح بين بدليل أن الله جل شأنه قال بعد ذلك: { ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلاَئِكَةِ فَقَالَ أَنبِئُونِي بِأَسْمَاء هَؤُلاء إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ } [البقرة:32] .
قال ابن القيم: ( فكانت حكمة ذلك التعليم تعريف مراد المتكلم، فلو لم يحصل له المعرفة كان في ذلك إبطال لحكمة الله وإفساد لمصالح بني آدم وسلب الإنسان خاصيته التي ميزه بها على سائر الحيوان ) (1) .
ودلالة المطابقة هي الدلالة الأصلية في الألفاظ التي وضعت لمعانيها، وهي تكشف عن نية القائل بمجرد صدور اللفظ؛ فلا يستفصل فيها عن مراده، وسميت بالمطابقة لمطابقة المعنى للفظ وموافقته، كقولهم طابق النعل النعل إذا توافقا، والمراد من تطابق اللفظ والمعنى هو عدم زيادة اللفظ على المعنى أو قصوره عنه (2) .
(1) الصواعق المرسلة 2/643 .
(2) انظر بتصرف البحر المحيط للزركشي 2/272، وانظر أيضا شرح الكوكب المنير لتقي الدين أبي البقاء الفتوحي ص35، وحاشية العطار على شرح الخبيصي لأبي السعادات حسن العطار ص50 .