فهرس الكتاب

الصفحة 51 من 1188

ومن هنا نعلم أثر الأسماء الحسنى التي تعرف الله بها إلى عباده وما تضمنته من الصفات، وظهور أثر كمالها المقدس وارتباطه بحكمته سبحانه في المخلوقات، وظهور بواعث محبته على الوجه الذي تشهد العقول والفطر بمقتضاه؛ فتشهد حكمته الباهرة في كل فعل أو حكم قضاه، وأنه سبحانه وتعالى الجواد الذي يحب أن يجود، والعفو الذي يحب أن يعفو، والغفور الذي يحب أن يغفر، وأنه لا بد من لوازم ذلك خلقا وشرعا وأن الله يحب أن يثنى عليه ويمدح ويمجد ويسبح ويعظم إلى غير ذلك من الحكم .

وقد أثنى الله - عز وجل - على عباده المؤمنين حيث نزهوه عن إيجاد الخلق لا لشيء ولا لغاية فقال جل جلاله في وصفهم: { الَذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ } [آل عمران: 191] ، وأخبر أن هذا ظن أعدائه لا ظن أوليائه فقال سبحانه وتعالى: { وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ } [ص:27] (1) .

ومن ثم فإن الله - عز وجل - أبرز خلقه من العدم إلى الوجود ليجري عليه أحكام أسمائه وصفاته فيظهر كماله المقدس وإن كان لم يزل كاملا ، قال ابن القيم: ( لا بد من ظهور أثر هذه الأسماء ووجود ما يتعلق به؛ فاقتضت حكمة الله أن أنزل الأبوين من الجنة ليظهر مقتضى أسمائه وصفاته فيهما وفي ذريتهما، فلو تربت الذرية في الجنة لفاتت أثار هذه الأسماء وتعلقاتها والكمال الإلهي يأبى ذلك فإنه الملك الحق المبين؛ والملك هو الذي يأمر وينهي ويكرم ويهين ويثيب ويعاقب ويعطي ويمنع ويعز ويذل؛ فأنزل الأبوين والذرية إلى دار تجري عليهم هذه الأحكام ) (2) .

(1) شفاء العليل ص199 بتصرف .

(2) السابق ص243 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت