والله - عز وجل - على عرشه في السماء يفعل ما يشاء وبيده أحكام التدبير والقضاء، حكم بعدله أن يقوم الخلق على علة الابتلاء ثم يتحول بعدها إلى دار المحاسبة والجزاء، ولذلك ينبهنا الله في بعض المواطن إلى هذه الحقيقة، وأنه - عز وجل - قادر على أن يفعل ما يشاء لولا ما سبق في الكتاب من أحكام القضاء، فقال سبحانه وتعالى: { لوْلا كِتَابٌ مِنَ اللهِ سَبَقَ } [الأنفال:68] ، وقال - جل جلاله: { وَلوْلا كَلمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لكَانَ لزَامًا وَأَجَل مُسَمّىً } [طه:129] ، وقال: { وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلا أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلفُوا وَلوْلا كَلمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيمَا فِيهِ يَخْتَلفُونَ } [يونس:19] .
والعقلاء يعلمون أن العلماء من البشر لو اجتمعوا على وضع خطة محكمة لبناء مشروع عملاق أو أي مشروع من المشروعات، درسوا فيها جميع الجوانب بمختلف المقاييس والدراسات، وراعوا في خطتهم مختلف الموازنات، ثم وضعوا تخطيطا محكما لا مجال فيه للإضافات، ثم انتهوا إلى تقرير شامل دونوه في مجموعة من الملفات، ثم قدموا هذا المكتوب لإدارة التنفيذ والمشروعات، فإنه لا يصح لعامل جاهل ينقصه العلم والفهم أن يعترض أو يغير أو يبدل في هذا المشروع الضخم، ولا يصح أن يعبث فيه بهواه، أو يغير في تخطيطه على ما يراه؛ فالله - عز وجل - وله المثل الأعلى كتب مقادير كل شيء ورفعت الأقلام وجفت الصحف حتى يتم الخلق على ما قضى به الحق، قال ابن القيم: ( إنه سبحانه حكيم لا يفعل شيئا عبثًا ولا لغير معنىً ومصلحة، وحكمته هي الغاية المقصودة بالفعل، بل أفعاله سبحانه صادرةٌ عن حكمة بالغة لأجلها فعل ) (1) .
(1) شفاء العليل ص190 .