فهرس الكتاب

الصفحة 573 من 1188

والله تعالى وتر انفرد عن خلقه فجعلهم شفعا، وقد خلق الله المخلوقات بحيث لا تعتدل ولا تستقر إلا بالزوجية ولا تهنأ على الفردية والأحدية، يقول تعالى: { وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلكُمْ تَذَكرُونَ } [الذاريات:49] ، فالرجل لا يهنأ إلا بزوجته ولا يشعر بالسعادة إلا مع أسرته والتوافق بين محبتهم ومحبته، فيراعى في قراره ضروريات أولاده وزوجته، ولا يمكن أن تستمر الحياة التي قدرها الله على خلقه بغير الزوجية حتى في تكوين أدق المواد الطبيعية، فالمادة تتكون من مجموعة من العناصر والمركبات وكل عنصر مكون من مجموعة من الجزيئات، وكل جزيء مكون من مجموعة من الذرات وكل ذرة لها نظام في تركيبها، تتزاوج فيه مع أخواتها، سواء كانت الذرةُ سالبةً أو موجبةً، فالعناصر في حقيقتها عبارة عن أخوات من الذرات متزاوجات متفاهمات متكاتفات ومتماسكات، ومن المعلوم أنه لا يتكون جزئُ الماء إلا إذا اتحدت ذرتان من الهيدروجين مع ذرة واحدة من الأكسجين، فالذرات متزاوجة، سالبها يرتبط بموجبها ولا تهدأ ولا تستقر إلا بالتزاوج بين بعضها البعض، فهذه بناية الخلق بتقدير الحق بنيت على الزوجية والشفع، أما ربنا - عز وجل - فذاته صمدية وصفاته فردية، فهو المنفرد بالأحدية والوترية، وقد ثبت عند مسلم كما تقدم مرفوعا: ( إِن اللهَ - عز وجل - وِتْرٌ يُحِبُّ الوِتْرَ ) (1) .

وقد قيل أيضا في معنى الشفع والوتر أن الشفع تنوع أوصاف العباد بين عز وذل وعجز وقدرة، وضعف وقوة، وعلم وجهل، وموت وحياة، والوتر انفراد صفات الله عز وجل فهو العزيز بلا ذل، والقدير بلا عجز، والقوي بلا ضعف، والعليم بلا جهل وهو الحي الذي لا يموت، والقيوم الذي لا ينام، ومن أساسيات التوحيد والوترية إفراد الله عمن سواه في ذاته وصفاته وأفعاله وعبوديته (2) .

دلالة الاسم على أوصاف الله .

(1) تقدم تخريجه .

(2) تفسير القرطبي 20/41، الأسماء والصفات للبيهقي ص30 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت