والقادر سبحانه هو الذي يقدر المقادير في علمه، وعلمه المرتبة الأولى من قضائه وقدره، فالله - عز وجل - قدر كل شيء قبل تصنيعة وتكوينه، ونظم أمور الخلق قبل إيجاده وإمداده ثم كتب في اللوح هذه المعلومات ودونها بالقلم في كلمات، وكل مخلوق مهما عظم شأنه أو قل حجمه كتب الله ما يخصه في اللوح المحفوظ، ثم يشاء بحكمته وقدرته أن يكون الأمر واقعا على ما سبق في تقديره، ولذلك فإن القدر عند السلف مبني على التقدير والقدرة، فبدايته في التقدير وهو علم حساب المقادير، أو العلم الجامع التام لحساب النظام العام الذي يسير عليه الكون من بدايته إلى نهايته، قال - عز وجل: { وَإِنْ منْ شَيْءٍ إِلا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ } [الحجر:21] ، وقال أيضا: { وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا } [الأحزاب:38] ، وقال سبحانه: { إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا } [الطلاق:3] ، وعند مسلم من حديث عبد الله بن عمرو - رضي الله عنه - أن رَسُول اللهِ - صلى الله عليه وسلم - قَال: ( كَتَبَ اللهُ مَقَادِيرَ الخَلائِقِ قَبْل أَنْ يَخْلُقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِخَمْسِينَ أَلفَ سَنَةٍ، وَعَرْشُهُ عَلى المَاءِ ) (1) ، وفي رواية الترمذي: ( قَدَّرَ اللهُ المَقَادِيرَ قَبْل أَنْ يَخْلُقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِخَمْسِينَ أَلفَ سَنَةٍ ) (2) .
(1) مسلم في كتاب القدر، باب حجاج آدم وموسى عليهما السلام 4/2044 (2653) .
(2) الترمذي: كتاب القدر 4/458 (2156) .