على أنه لا يجوز لأحد أن يدعي أن علمه صلى الله عليه وسلم مماثل ومساو لعلم الغيب أي واحد من أمته لأن الله تعالى عندما علمه أن يقول (إنما أنا بشر مثلكم) علمه أن يضيف إليها (يوحي إلي) وأينا يوحي إليه؟! وقد عاب الله تعالى في محكم كتابه على المشركين (ادعاء المثلية) مع الأنبياء وزعمهم إياها لقولهم (ما أنتم إلا بشر مثلنا) .
إن النبي صلى الله عليه وسلم علم الغيب المكتسب الحادث من علم الله تعالى الذاتي القديم بدليل ما سبق من قوله تعالى: (وعلمك ما لم تكن تعلم وكان فضل الله عليك عظيمًا) فقد امتن سبحانه وتعالى في هذه الآية على حبيبه صلى الله عليه وسلم بتعليمه ما لم يكن يعلم وختم الامتنان بما دل على عظمة تلك المنة العظمى وفخامة النعمة الكبرى فقال (وكان فضل الله عليك عظيمًا) .
وعلى ضوء ما سبق نستطيع أن نفهم ونتأول معنى قول الإمام البوصيري رضي الله عنه (ومن علومك علم اللوح والقلم)
فقد قال العلامة علي القاري في (الزبدة) شرح البردة تحت البيت المذكور - توضيحه (أن المراد بعلوم اللوح ما أثبت فيه من النقوش القدسية والصور الغيبية وبعلم القلم ما أثبت فيه كما شاء تعالى. وما في اللوح المحفوظ إلا الدنيا فإن الآخرة بعد اليوم الآخر ووراءها ذات الله سبحانه وتعالى وصفاته التي لا يسعها لوح ولا قلم وقد قال الله تعالى في الدنيا(قل متاع الدنيا قليل) فأنى يقع ما استقله الله تعالى مما استعظمه وكبر شأنه مع أن علمه صلى الله عليه وسلم قد تعدى - حسب ما مر بنا من أحاديث شريفة صحيحة - علم ما كان وما سيكون في الدنيا، إلى ما بعد اليوم الآخر من الحشر والنشر والحساب والكتاب ومشاهد ومواقف يوم القيامة مما بينه صلى الله عليه وسلم لأمته من تفاصيل ما هنالك من الثواب والعقاب إلى نزول الناس منازلهم من الجنة والنار إلى ما بعد ذلك مما شاء الله تعالى إعلامه له، كما أنه صلى الله عليه وسلم علم من ذاته عز وجل وصفاته ليلة الإسراء والمعراج وقبلها وبعدها ما لا يحصى قدره إلا الله المانح تلك العطايا لمصطفاه، وهكذا يمكن فهم وتأويل ما ذكره