بعد انتقاله للرفيق الأعلى وذلك فيما أخرجه ابن عساكر في تاريخه وابن الجوزي في مثير الغرام وابن النجار بأسانيدهم إلى محمد بن حرب الهلالي قال أتيت قبر النبي صلى الله عليه وسلم فزرته فجلست بحذائه فجاء أعرابي وذكر نحو ما سيأتي، بل روى أبو سعيد السمعاني عن علي رضي الله عنه قال قدم علينا أعرابي بعد ما دفنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بثلاثة أيام فرمى نفسه على قبره وحثى من ترابه على رأسه وقال يا رسول الله قلت فسمعنا قولك ووعيت عن الله سبحانه وتعالى ووعينا عنك وكان فيما أنزل عليك (ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاؤوك) الآية وقد ظلمت نفسي وجئتك تستغفر لي، فنودي من القبر أنه قد غفر لك) انتهى .. (فبأي حديث بعده يؤمنون) ؟!
نحن نعتقد أن جميع الأنبياء والأولياء لا فعل لهم ولا قدرة لهم ولا تصرف، لا الآن ولا حين كانوا أحياء في دار الدنيا فإن صفتهم الفناء والاستهلاك ليس إلا، ولو كان هذا التوسل شركًا وتوجهًا إلى غير الله كما يزعمه المنكر، فينبغي أن يمنع التوسل وطلب الدعاء من الصالحين من عباد الله وأوليائه في حال الحياة أيضًا، وليس ذلك مما يمنع، فإنه مستحب ومستحسن شائع في الدين، ولو زعم أنهم عزلوا وأخرجوا من الحالة والكرامة التي كانت لهم في الحياة الدنيا، فما الدليل عليه، ومن اشتغل من الموتى عن ذلك بما عرض له من الآفات فليس ذلك كليًا، ولا دليل على دوامه واستمراره إلى يوم القيامة، غايته أنه لم تكن هذه المسألة كلية.
نعم إن كان الزائر يعتقد أن أهل القبور متصرفون ومستبدون وقادرون من غير توجه إلى حضرة الحق والالتجاء إليه كما يعتقده العوام الغافلون الجاهلون، وكما يفعلون أولئك من تقبيل القبر والسجود والصلاة إليه مما وقع عنه النهي والتحذير، فذلك مما يمنع ويحذر منه، وفعل العوام لا يعتبر قط، وهو خارج عن البحث وحاشا من العالم بالشريعة والعارف بأحكام الدين أن يعتقد ذلك ويفعل هذا.
وإلى هذا التوسل أشار الإمام مالك رحمه الله تعالى للخليفتة الثاني من بني العباس، وهو المنصور جد الخلفاء العباسيين، وذلك أنه لما حج المنصور