لا يقدر المجاهد على اختيار ساحة المعركة بمفرده دائما، ففي بعض الأحيان يؤخذ بغتة، حتى ينتهي به الأمر إلى عتبة معركة لا يرضاها، وفي هذه الحالات لا يحاول الهرب، لأنه يعلم أن هذه المعارك ستتبعه حيثما حلّ، وهكذا عندما يصير القتال محتما، يلجأ المجاهد إلى المفاوضات مع خصمه.
وفي تلك الحال لا يظهر خوفا ولا خجلا و لا طالبا للسلام، بل إنه يحال استكشاف أسباب مثل: لماذا يرغب الخصم في هذه المعركة؟ وما الذي دفعه ترك المساكن التي يرضاها ويأتي إلى لقائه؟ ودون إشهار أسلحته، يستطيع المجاهد إقناع خصمه: بأن المعركة لن تكون في صالح المهاجم. وسيسمع المجاهد كل ما يريد خصمه أن يسمعه إياه، دون أن يتملله الغضب، و لا يدخل معه في معركة إلا إذا كان الأمر متحتما.
في كل معركة بتصرف المجاهد بطريقة مغايرة وخاصة عندما لا تحدث هجومات أو انسحابات.
إذا كانت المعركة لا تقود إلى نصر ولا إلى هزيمة، فإن المجاهد ستنتج انه لابد من مناقشة شروط الهدنة مع العدو، لأن الطرفين قد أظهرا كل ما لديها من مهارات حربية، وقد ىن لهما الأوان كي يفهما بعضهما بعضًا.
والمجاهد لا يسأل السلام أبدًا: بل هو الذي يمنحه. والمفاوضات هي عنوان نبله لا برهان على خوره. إن ميزان قوي وتغير في الخطط الحربية الشاملة.
عادة ما يأتي الخصم بباقة من الوعود، والمفاوضات والإقتراحات التي تغرس في النفس الإغراء، كما يطرح خيارات مرضية للطرفين.
ويدرس المجاهد كل مقترح بدقة، كما يحاول الوصول إلى اتفاقية دون أن يفقد كرامته.
وإذا تمكن من المراوغة ف المعركة، فهذا ليس معناه أن الخصم قد انخدع بكلامه المعسول، بل لأنه يعتقد أن ذلك هو أفضل إستراتيجية.
والمجاهد لا يقبل أبدا أي هدية من العدو.
وبعد إعداد كل خطط الهدنة، يعود المجاهد إلى دياره. إنها لا تعني شيئا لأحد: فالمجاهد يشنون حريا عادلة، وإنما يشدون من عزيمتهم. عن كل واحد منهم قدم تنازلا في إطار ما تسمح الشريعة الإسلامية، من خلال التحكم في فن المفاوضات.
قال الله تعالى:
وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولًا {36}