"كل نفس ذائقة الموت".
وكل إنسان ميت لا محالة وإن غره الأمل.
قال الله تعالى:
كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَما الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ {185}
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"ما أحد يدخل الجنة يحب أن يرجع إلى الدنيا، وله ما على الأرض من شيء إلا الشهيد، يتمنى أن يرجع إلى الدنيا فيقتل عشر مرات، لما يرى من الكرامة".
فأحسن صفات الرجل النبيل نجدها مجتمعة عند المجاهد: الشجاعة وكرم الطبع والوفاء والولاء والسخاء والإيثار.
ويذكر مجاهد القصة التي رواها سعيد بن عامر عن الميتة البطولية لحُبَيْب: من بين الضجيج وصراخ النساء والأطفال سمع سعيد صوت خبيب، الثابت والهادئ يقول:"أرجو أن تسمحوا لي بركعتين قبل موتي ...". وكان سعيد يرقب كيف وقف خبيب مستقبلا القبلة وصلى ركعتين. وكانت صلاته خاشعة وتامة! ورأى سعيد كيف استدار خبيب واستقبل سادة قريش وقال:"أقسم بالله لولا أني خشيت أن تقولوا جبنت عن الموت لكان صلاتي أطول".
وشاهد سعيد بأم عينيه كيف كان بنو قومه يجذبون خبيبا، ويقطعون لحمه، فردا فردا، وكانوا يصرخون في خبيب:"هل كنت تود أن يكون محمد مكانك؟ هل وددت لو نجوت؟ وكان الدم يسيل من خبيب، وهو يقول:"والله، ما أود أن أكون بين أهلي، سالما آمنا، وأدع رسول الله صلى الله عليه وسلم تصيبه شوكة واحدة بين أظهركم". وكان الناس يرفعون أيديهم مهددين، والجمع يدعو:"اقتلوه! اقتلوه!"."
ورأى سعيد بن عامر طيف أن خبيبا رفع بصره إلى السماء وقال:"الهم احصهم عددا، واقتلهم بددا، ولا تترك منهم أحدا أبدا!".
بعدها لفظ خبيب أنفاسه الأخيرة وجسمه ينزف دما من وقع السيوف والرماح.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"من سأل الله الشهادة بصدق، بلغه الله منازل الشهداء، وإن مات على فراشه".
وفي إحدى معارك المسلمين، وقف عكرمة والمسلمون في وضع حرج، فكسر غمد سيفه واندفع وسط المعركة حيث الأعداء، فرآه خالد بن الوليد فصرخ في وجهه قائلا:"لا تفعل ذلك يا عكرمة! لو قتلوك فستكون خسارة كبيرة للمسلمين.". فيجيبه عكرمة:"دعني يا خالد، ... فقد كنت من أصحاب رسول الله مدة من الزمن. أما أنا وأبي فقد كنا من ألد أعدائه. دعني أكفّر عن ماضي ... في عدة معارك كنت أقاتل ضد رسول الله. ثم نادى في المسلمين:"من يبايعني على الموت؟".فلبى النداء عمه والحارث بن هشام وضرار بن الأزور مع أربع مئة مسلم. وخاضوا معركة ضروس ضد الأعداء تحت إمرة خالد بن الوليد وأبلوا بلاء حسنًا."
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يُغفر للشهيد كل ذنب، إلا الدَّين"."
عندما يصدر أمر جامع، يرى المجاهد كل الذين كانوا أصدقاءه خلال رحلته.
ويعلم المجاهد، وقلبه كله حزنا، أن سلاحه مقدس وعليه أن يستجيب لأوامر ربه الذي يقاتل من أجله.
وبعدما يشكر المجاهد إخوانه ويسترجع أنفاسه ويتحرك وهو يحمل الصورة التي لا يمكن أن ينساها عن الجولة التي قضاها مع إخوانه.