والمسألة هنا في ظاهر الأمر أنه يحمي الدائن ونقوده ، لكن علينا أن ننتبه إلى أنه يحمي المدين من نفسه ؛ لأن الدَّيْن إن لم يكن موثقاً فالمدين لن يبذل الجهد الكافي للسداد ، وباجتهاد المدين نفيد الوجود بطاقة فاعلة . ولكن إن لم نوثق الدَّيْن ، وتكاسل المدين عن العمل والسداد فقد تشيع الفوضى في المجتمع ويرفض كل إنسان أن يقرض أحداً ما يحتاج إليه . وبذلك تفسد الأمور الاقتصادية .
إذن فسبحانه حين يأمر بتوثيق الدَّيْن ، وإن كان في ظاهر الأمر حماية للدائن . لكنّه في باطن الأمر يحمي سبحانه المدين ، لأن هناك فرقاً بين ساعة التحمل للحكم ، وساعة أداء الحكم .
مثال ذلك حين يأتيك إنسان قائلاً: أنا عندي ألف جنيه وخائف أن يضيع مني فخذه أمانة عندك إلى أن أحتاج إليه ، وبذلك يكون هذا الإِنسان قد استودعك أمانة ولا يوجد إيصال أو شهود ، والأمر مردود إلى أمانة المودَع عنده إن شاء أنكر ، وإن شاء أقر . ونجد من يقول لهذا الإِنسان: هات ما عندك . يقول ذلك وفي ذمته ونيته أن صاحب الألف جنيه حين يأتي ليطلبه يعطيه له ، إنه يَعِدُ ذلك ساعة التحمل ، لكنه لا يضمن نفسه ساعة الأداء ، فقد تأتي له ظروف صعبة ساعة الأداء فيتعلل بالحجج ليبعد صاحب المال عنه .
إذن هناك فرق بين حالة واستعداد حامل الأمانة ساعة الأداء لهذه الأمانة . والمؤمن الحق هو من يتذكر ساعة التحمل والأداء معاً ، إنّ بعض الناس يرفض الأمانة ليزيل عن نفسه عبء الأداء .
والذي يتعلم شيئاً يناقض ناموس وجوده كتعلم السحر نقول له: احذر أن تُبتلى وتُفتن ، بل ابتعد واحفظ نفسك ولا تستعمل ذلك ، واحذر أن تقول أنا سأستعمل ما تعلمته من سحر في الخير ، ومن يأتي لي وهو في أزمة سوف أحلها له بالسحر . ونقول: لهذا الإِنسان: أنت تتكلم عن وقت التحمل ، ولكنك لا تتكلم عن وقت الأداء .