وهذا المعنى جاء في آيات أخر. كقوله: {وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أخرى وَإِن تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إلى حِمْلِهَا لاَ يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قربى} [فاطر: 18] ، وقوله: {وَلاَ تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلاَّ عَلَيْهَا وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أخرى ثُمَّ إلى رَبِّكُمْ مَّرْجِعُكُمْ} [الأنعام: 164] الآية ، وقوله: {تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَّا كَسَبْتُمْ وَلاَ تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [البقرة: 134] ، إلى غير ذلك من الآيات.
وقد قدمنا في سورة"النحل"بإيضاح: ان هذه الآيات لا يعارضها قوله تعالى: {وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالاً مَّعَ أَثْقَالِهِمْ} [العنكبوت: 13] الآية ، ولا قوله: {لِيَحْمِلُواْ أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ القيامة وَمِنْ أَوْزَارِ الذين يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ} [النحل: 25] لأن المراد بذلك أنهم حملوا أوزار ضلالهم في أنفسهم ، وأوزار إضلالهم غيرهم. لأن من سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها ، لا يينقص ذلك من أوزارهم شيئاً - كما تقدم مستوفى.
تنبه
يرد على هذه الآية الكريمة سؤلان:
الأول - ما ثبت في الصحيح عن ابن عمر رضي الله عنهما من"أن الميت يعذب ببكاء أهله عليه"فيقال: ما وجه تعذيبه ببكاء غيره. إذ مؤاخذته ببكاء غيره قد يظن من لا يعلم أنها من أخذ الإنسان بذنب غيره؟
السؤال الثاني - إيجاب دية الخطأ على العقلة.
فيقال: ما وجه إلزام العاقلة الدية بجناية إنسان آخر؟.
والجواب عن الأول - هو أن العلماء حملوه على أحد أمرين:
الأول - أن يكون الميت أوصى بالنوح عليه. كما قال طرفة بن العبد في معلقته:
إذا مت فانعيني بما أنا أهله... وشقى على الجيب يابنة معبد
لأنه إذا كان أوصى بأن يناح عليه: فتعذيبه بسبب إصائه بالمنكر. وذلك من فعله لا فعل غيره.