فهرس الكتاب
والوجه الثاني: أنَّ"أَمَرْنا"بمعنى كَثَّرْنا ، ولم يَرْتَضِ الزمخشريُّ في ظاهرِ عبارتِه فإنَّه قال: " وفسَّرَ بعضُهم"أَمَرْنا"ب " كَثَّرْنا"، وجَعَلَه من بابِ: فَعَّلْتُه فَفَعَلَ ، كَثَبَّرْتُه فَثَبَر . وفي الحديثِ:"خَيْرُ المالِ سِكَّةٌ مأْبُوْرة ومُهْرَةٌ مَأْمورة"، أي: كثيرةُ النِّتاج". قلت: وقد حكى أبو حاتم هذه اللغةَ ، يقال: أَمِر القومُ ، وأَمَرهم اللهُ ، ونقله الواحديُّ أيضاً عن أهل اللغة ، وقال أبو علي: " الجيِّد في"أَمَرْنا"أن يكونَ بمعنى كَثَّرْنا " .
واستدل أبو عبيدة بما جاء في الحديثِ فذكره . يقال: أَمَرَ اللهُ المُهْرَة ، أي: كَثَّر ولدَها . قال"ومَن أنكر"أمرَ اللهُ القومَ"أي: كَثَّرهم لم يُلتفَتْ إليه لثبوتِ ذلك لغةً".
ويكون ممَّا لَزِمَ وتعدَّى بالحركةِ المختلفةِ ؛ إذ يُقال: أَمِر القومُ كَثُروا ، وأَمَرَهم الله كثَّرهم ، وهو من بابِ المطاوعة: أَمَرهم الله فَأْتَمَروا كقولِك: شَتَرَ اللهُ عَيْنَه فَشَتِرَتْ ، وجَدَعَ اَنْفَه فَجَدِع ، وثَلَمَ سِنَّه فَثَلِمَتْ .
وقرأ الحسن ويحيى بن يعمر وعكرمةُ:"أَمِرْنا"بكسر الميم بمعنى"أَمَرْنا"بالفتح . حكى أبو حاتم عن أبي زيد أنه يُقال:"أَمَرَ اللهُ مالَه ، وأَمِرَه"بفتح الميم وكسرِها ، وقد رَدَّ الفراء هذه القراءةَ ، ولا يُلْتَفَتُ لِرَدِّه لثبوتِها لغةً بنَقْلِ العُدولِ ، وقد نَقَلها قراءةً عن ابن عباس أبو جعفر وأبو الفضل الرازي في"لوامِحه"فكيف تُرَدُّ؟
وقرأ عليُّ بن أبي طالب وابنُ أبي إسحاق وأبو رجاء في آخرين"آمَرْنا"بالمَدِّ ، ورُوِيَتْ هذه قراءةً عن ابنِ كثير وأبي عمرو وعاصم ونافعٍ ، واختارها يعقوبُ ، والهمزةُ فيه للتعديةِ؟