وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ هُوَ مِنْ أَبْصَرِ النَّهَارِ: إِذَا صَارَ النَّاسُ يُبْصِرُونَ فِيهِ فَهُوَ مُبْصِرٌ، كَقَوْلِهِمْ: رَجُلٌ مُجْبِنٌ: إِذَا كَانَ أَهْلُهُ وَأَصْحَابُهُ جُبَنَاءُ، وَرَجُلٌ مُضْعِفٌ: إِذَا كَانَتْ رُوَاتُهُ ضُعَفَاءُ، فَكَذَلِكَ النَّهَارُ مُبْصِرًا: إِذَا كَانَ أَهْلُهُ بُصَرَاءُ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا (13) }
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ مَا قُضِيَ لَهُ أَنَّهُ عَامِلُهُ، وَهُوَ صَائِرٌ إِلَيْهِ مِنْ شَقَاءٍ أَوْ سَعَادَةٍ بِعَمَلِهِ فِي عُنُقِهِ لَا يُفَارِقُهُ.
وَإِنَّمَا قَوْلُهُ {أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ} مَثَلٌ لِمَا كَانَتِ الْعَرَبُ تَتَفَاءَلُ بِهِ أَوْ تَتَشَاءَمُ مِنْ سَوَانِحِ الطَّيْرِ وَبَوَارِحِهَا، فَأَعْلَمَهُمْ جَلَّ ثَنَاؤُهُ أَنَّ كُلَّ إِنْسَانٍ مِنْهُمْ قَدْ أَلْزَمَهُ رَبُّهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ نَحِسًا كَانَ ذَلِكَ الَّذِي أَلْزَمَهُ مِنَ الطَّائِرِ، وَشَقَاءً يُورِدُهُ سَعِيرًا، أَوْ كَانَ سَعْدًا يُورِدُهُ جَنَّاتِ عَدْنٍ.
عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «لَا عَدْوَى وَلَا طِيَرَةَ وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ»
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: الطَّائِرُ: عَمَلُهُ، قَالَ: وَالطائرُ فِي أَشْيَاءَ كَثِيرَةٍ، فَمِنْهُ التَّشَاؤُمُ الَّذِي يَتَشَاءَمُ بِهِ النَّاسُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ.
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلُهُ: {وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ} قَالَ: عَمَلُهُ وَمَا قَدَرَ عَلَيْهِ، فَهُوَ مُلَازِمُهُ أَيْنَمَا كَانَ، فَزَائِلٌ مَعَهُ أَيْنَمَا زَالَ.
عَنْ مُجَاهِدٍ، قَالَ:"مَا مِنْ مَوْلُودٍ يُولَدُ إِلَّا وَفِي عُنُقِهِ وَرَقَةٌ مَكْتُوبٌ فِيهَا شَقِيُّ أَوْ سَعِيدٌ. قَالَ: وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: أُولَئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتَابِ، قَالَ: هُوَ مَا سَبَقَ"
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: وَكَيْفَ قَالَ: أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ إِنْ كَانَ الْأَمْرُ عَلَى مَا وَصَفْتَ وَلَمْ يَقُلْ: أَلْزَمْنَاهُ فِي يَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أَعْضَاءِ الْجَسَدِ؟