وَقَرَأَ ذَلِكَ بَعْضُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ: (وَيُخْرَجُ لَهُ) بِضَمِّ الْيَاءِ عَلَى مُذْهِبِ مَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ، وَكَأَنَّهُ وَجَّهَ مَعْنَى الْكَلَامِ إِلَى: وَيُخْرَجُ لَهُ الطَّائِرُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا، يُرِيدُ: وَيُخْرِجُ اللَّهُ ذَلِكَ الطَّائِرَ قَدْ صَيَّرَهُ كِتَابًا، إِلَّا أَنَّهُ نَحَّاهُ نَحْوَ مَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلَهُ.
وَأَوْلَى الْقِرَاءَاتِ فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ، قِرَاءَةُ مَنْ قَرَأَهُ: {وَنُخْرِجُ} بِالنُّونِ وَضَمِّهَا {لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا} بِفَتْحِ الْيَاءِ وَتَخْفِيفِ الْقَافِ، لِأَنَّ الْخَبَرَ جَرَى قَبْلَ ذَلِكَ عَنِ اللَّهِ تَعَالَى أَنَّهُ الَّذِي أَلْزَمَ خَلْقَهُ مَا أَلْزَمَ مِنْ ذَلِكَ، فَالصَّوَابُ أَنْ يَكُونَ الَّذِي يَلِيهِ خَبَرًا عَنْهُ، أَنَّهُ هُوَ الَّذِي يُخْرِجُهُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، أَنْ يَكُونَ بِالنُّونِ كَمَا كَانَ الْخَبَرُ الَّذِي قَبْلَهُ بِالنُّونِ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: {يَلْقَاهُ} فَإِنَّ فِي إِجْمَاعِ الْحُجَّةِ مِنَ الْقُرَّاءِ عَلَى تَصْوِيبِ مَا اخْتَرْنَا مِنَ الْقِرَاءَةِ فِي ذَلِكَ، وَشُذُوذِ مَا خَالَفَهُ الْحُجَّةُ الْكَافِيَةُ لَنَا عَلَى تَقَارُبِ مَعْنَى الْقِرَاءَتَيْنِ: أَعِنِّي ضَمَّ الْيَاءِ وَفَتْحِهَا فِي ذَلِكَ، وَتَشْدِيدِ الْقَافِ وَتَخْفِيفِهَا فِيهِ، فَإِذَا كَانَ الصَّوَابُ فِي الْقِرَاءَةِ هُوَ مَا اخْتَرْنَا بِالَّذِي عَلَيْهِ دَلَّلْنَا، فَتَأْوِيلُ الْكَلَامِ: وَكُلَّ إِنْسَانٍ مِنْكُمْ يَا مَعْشَرَ بَنِي آدَمَ، أَلْزَمْنَاهُ نَحْسَهُ وَسَعْدَهُ وَشَقَاءَهُ وَسَعَادَتَهُ، بِمَا سَبَقَ لَهُ فِي عِلْمِنَا أَنَّهُ صَائِرٌ إِلَيْهِ، وَعَامِلٌ مِنَ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ فِي عُنُقِهِ، فَلَا يُجَاوِزُ فِي شَيْءٍ مِنْ أَعْمَالِهِ مَا قَضَيْنَا عَلَيْهِ أَنَّهُ عَامِلُهُ، وَمَا كَتَبْنَا لَهُ أَنَّهُ صَائِرٌ إِلَيْهِ، وَنَحْنُ نُخْرِجُ لَهُ إِذَا وَافَانَا كِتَابًا يُصَادِفُهُ مَنْشُورًا بِأَعْمَالِهِ الَّتِي عَمِلَهَا فِي الدُّنْيَا، وَبِطَائِرِهِ الَّذِي كَتَبْنَا لَهُ، وَأَلْزَمْنَاهُ إِيَّاهُ فِي عُنُقِهِ، قَدْ أَحْصَى عَلَيْهِ رَبَّهُ فِيهِ كُلَّ مَا سَلَفَ فِي الدُّنْيَا.