عَنْ قَتَادَةَ:"أَكْثَرْنَا مُتْرَفِيهَا: أَيْ جَبَابِرَتَهَا، فَفَسَقُوا فِيهَا وَعَمِلُوا بِمَعْصِيَةِ اللَّهِ {فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا} وَكَانَ يَقُولُ: إِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ صَلَاحًا بَعَثَ عَلَيْهِمْ مُصْلِحًا. وَإِذَا أَرَادَ بِهِمْ فَسَادًا بَعَثَ عَلَيْهِمْ مُفْسِدًا، وَإِذَا أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَهَا أَكْثَرَ مُتْرَفِيهَا"
عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا عَلَى زَيْنَبَ وَهُوَ يَقُولُ: «لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَيْلٌ لِلْعَرَبِ مِنْ شَرٍّ قَدِ اقْتَرَبَ فُتِحَ الْيَوْمَ مِنْ رَدْمِ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مِثْلُ هَذَا» وَحَلَّقَ بَيْنَ إِبْهَامِهِ وَالَّتِي تَلِيهَا، قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنَهْلِكُ وَفِينَا الصَّالِحُونَ؟ قَالَ: «نَعَمْ إِذَا كَثُرَ الْخَبَثُ»
قَالَ ابْنُ زَيْد: ذَكَرَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ أَمَرْنَا: أَكْثَرْنَا. قَالَ: وَالْعَرَبُ تَقُولُ لِلشَّيْءِ الْكَثِيرِ أَمِرَ لِكَثْرَتِهِ. فَأَمَّا إِذَا وُصِفَ الْقَوْمُ بِأَنَّهُمْ كَثُرُوا، فَإِنَّهُ يُقَالُ: أَمِرَ بَنُو فُلَانٍ، وَأَمِرَ الْقَوْمُ يَأْمَرُونَ أَمَرًا، وَذَلِكَ إِذَا كَثُرُوا وَعَظُمَ أَمْرُهُمْ، كَمَا قَالَ لَبِيدٌ:
[البحر المنسرح]
إِنْ يُغْبَطُوا يُهْبَطُوا وَإِنْ أَمَرُوا ... يَوْمًا يَصِيرُوا لِلْقُلِّ وَالنَّفَدِ
وَالْأَمْرُ الْمَصْدَرُ، وَالِاسْمُ الْإِمْرُ، كَمَا قَالَ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ {لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا} قَالَ: عَظِيمًا، وَحُكِيَ فِي مِثْلِ شَرِّ إِمْرٌ: أَيْ كَثِيرٌ.
وَأَوْلَى الْقِرَاءَاتِ فِي ذَلِكَ عِنْدِي بِالصَّوَابِ قِرَاءَةً مَنْ قَرَأَ {أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا} بِقَصْرِ الْأَلِفِ مِنْ أَمَرْنَا وَتَخْفِيفِ الْمِيمِ مِنْهَا، لِإِجْمَاعِ الْحُجَّةِ مِنَ الْقُرَّاءِ عَلَى تَصْوِيبِهَا دُونَ غَيْرِهَا.
وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ هُوَ الْأَوْلَى بِالصَّوَابِ بِالْقِرَاءَةِ، فَأَوْلَى التَّأْوِيلَاتِ بِهِ تَأْوِيلُ مَنْ تَأَوَّلَهُ: أَمَرْنَا أَهْلَهَا بِالطَّاعَةِ فَعَصَوْا وَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ: لِأَنَّ الْأَغْلَبَ مِنْ مَعْنَى أَمَرْنَا: الْأَمْرُ الَّذِي هُوَ خِلَافُ النَّهْيِ دُونَ غَيْرِهِ، وَتَوْجِيهِ مَعَانِي كَلَامِ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ إِلَى الْأَشْهَرِ الْأَعْرَفِ مِنْ مَعَانِيهِ، أَوْلَى مَا وُجِدَ إِلَيْهِ سَبِيلٌ مِنْ غَيْرِهِ.