والمعنى في قوله: (وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ) ، أي: لا يؤخذ غيره بعمله وشقائه؛ ولكن هو المأخوذ به، وهو ما قال: (مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ) ، وقوله: (وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى) ؛ هذه الآيات الثلاثة معناها واحد، وهو ما ذكرنا ألا يؤخذ غيره بعمل آخر، ولا تحمل نفس خطيئة أخرى ولا وزرها، ولكن كل نفس هي تحمل خطيئة نفسها.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا) .
هذا يحتمل وجهين:
أحدهما: أي: يجعل ما لزم عنقه كتابًا يلقاه منشورًا.
والثاني: أي: يجعل بما ألزم عنقه كتابًا.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا(14)
قيل: شهيدًا، وقيل: كافيًا وحاسبًا، وهو واحد: أن المؤمن بما سبق من صالحاته يقف فيها لا يقطع القول لرجائه في رحمته ولخوفه عن مساويه؛ فلا يشهد على نفسه بالعقوبة.
وأما الكافر فإنه يشهد على نفسه بالنار؛ لما لم يكن له ما يطمع رحمته.
وقوله: (اقْرَأْ كِتَابَكَ) ، أي: (وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا) ؛ فيقال له: (اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا) .
وفي ذلك لطف عظيم بقراءة كتابه بأي لسان كان؛ لأنه لم يبين بأي لسان يكتب، ثم يتذكر جميع ما عمل في عمره، وقد ينسى الرجل عملًا يعمل في أدنى مدة، لكن هذا يتذكر في ساعة ووهلة ما كان عاملًا منه.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ) .
أي: من اهتدى إلى ما جعل اللَّه عليه من أنواع النعم، وقام بأداء شكرها فإنما فعل ذلك لنفسه؛ لأنه هو المنتفع به.