فهرس الكتاب
وروى حماد بن سلمة عن ابن كثير: آمَرْنا بالمد، وهي اللغة العالية؛ يقال: أمِرَ القوم وآمرهم الله، أي: أكثرهم، فهم مؤمَّرُون.
ونحو هذا روى خارجة عن نافع، قال أبو إسحاق: ويكون لقوله: {أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا} معنى آخر غير كثرة العدد، وهو أن تكثر جِدَتُهم ويَسَارُهُم.
قال أبو عبيد: الوجه قراءة العامة؛ لاحتماله معنى الأمر والكثرة،
فإنه يقال: أمير غير مأمور، أي: غير مؤمّر.
وأما المترف فمعناه في اللغة: المُنَعَّم الذي قد أبطرته النعمة وسِعةُ العيش.
والمفسرون يقولون في تفسيرها: الجبارين والمسلطين والملوك.
وقوله تعالى: {فَفَسَقُوا فِيهَا} أي تمردوا في كفرهم، إذ الفسق في الكفر: الخروج إلى أفحشه.
{فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ} قال ابن عباس: يريد استوجبت العذاب، يعني قوله: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا} [الإسراء: 15] ، وقوله: {وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ} الآية [القصص: 59] ، وقوله: {وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ} الآية [هود: 117] ، والآيات في هذا المعنى كثيرة، فقد قال - عز وجل - وحكم بأنه لا يُهلك قرية حتى يخالفوا أمره في الطاعة، فإذا خالفوا الأمر حق عليهم قوله بالعذاب.
وقوله تعالى: {فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا} ، أي: أهلكناها إهلاكَ الاستئصال، والدمارُ هلاكٌ بالاستئصال. وهذه الآية تأكيد لما سبق في الآية الأولى؛ لأن الله تعالى ذَكَرَ وبَيَّنَ أن العقاب إنما يحق على الناس بعد مخالفتهم أمر الله.
17 -ثم ذكر سُنته في إهلاكِ القرون الماضية تخويفًا لكفار مكة، فقال: {وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ} الآية. وهذه الآية كقوله: {أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ} [الأنعام: 6] ، وقد مر.
وقوله تعالى: {وَكَفَى بِرَبِّكَ} ذَكَرنا الكلام في هذه الباء في مواضع.