قوله تعالى: (وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ) هذا من باب نفي ما يتوهم ثبوته أو من باب نفي المانع، كقولك: أكرم السائل ولو جاءك على فرس، والعطف تدلي لا ترقي باعتبار رقة القلب على الأب أقوى منها على الابن، أو هو ترق باعتبار أن التعاضد بالآباء أقوى منه بالأبناء، لكثرة الأبناء وتعددهم؛ بخلاف الأب فإنه واحد، وكان القاضي أبو علي عمر بن عبد الرفيع رحمه الله تعالى يقول: في الآية سؤال، كان الفقيه أبو عبد الله محمد بن علي بن يحيى ابن الفؤاد اللخمي يرده، وهو أن من حكم بحكم نفي أو إثبات ثم أخذ يذكر الموانع التي يستعيد معها وجود ذلك الحكم، فإنه يبتدئ بالأضعف منها ثم يترقى إلى ما هو أعلى منه وأبعد، أن يوجد معه الحكم ثم إلى ما هو أقوى في المنع من وجود ذلك الحكم، كقولك: أكرم السائل وإن أتاك على حمار، وإن أتاك على فرس، وإن علمت أن له دارا، ولَا شك أن رتبة الآباء أعلى من رتبة الأخوة وأشرف، بدليل الميراث ولأن ميل النفس إلى الابن أكثر، بدليل جواز شهادة الأخ لأخيه، ولا يجوز شهادة الأب لابنه، وجاءت هذه الآية على عكس هذا؛ لأنه سلك فيها مسلك التدلي، وقال: كنت أنا أجبته عن هذا السؤال، بأن الأب مفرد لا يمكن فيه التعداد، والإنسان يركن إليه فبدئ به، والبنون يمكن أن يتعددوا ويكثروا
فيحصل همٌّ لأبيهم كحال التعاون والنصرة على هذا فيكون ميل النفس إليهم أشد بهذا المعنى، وأما الآخرة فيتناولون آخرة النسب وآخرة الإسلام، أعني الأصحاب؛ لأن البنين يتفرعون منه وحده، والآخرة يتفرعون من أبيه وابنه ومن أبيه خاصة ومن أمه خاصة وما يتفرع من أصل ...] أقل مما يتفرع من ذلك، والعشيرة أكثر من ذلك كله، فسلك في الآية على هذا مسلك الترقي، وانظر ما يأتي بعد هذا في سورة الممتحنة ويقرر كون العطف ترقيا من وجه آخر أيضا، وهو أنه إذا كان الإيمان مانعا من موادة الأب الذي لَا يمكن خلقه عقلا، فأحرى أن يمنع مِن موادة من يمكن خلقه وهو الابن، وفي سورة عبس (يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ(34) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (35) وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ) فقدم الأخ على الأب.