{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ} تعليم منه تعالى للمؤمنين بالإحسان في أدب المجالس ، وذلك بأن يفسح المرء لأخيه ويتنحى توسعة له .
قال الشهاب: وارتباطه بما قبله ظاهر ؛ لأنه لما نهى عن التناجي والسرار ، علم منه الجلوس مع الملأ ، فذكر آدابه ، ورتب على امتثالهم فسحة لهم فيما يريدون التفسح ، من المكان والرزق والصدر .
قال ابن كثير: وذلك أن الجزاء من جنس العمل ، كما جاء في الحديث الصحيح: ( من بنى لله مسجداً بنى الله له بيتاً في الجنة . ومن يسّر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة ، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه ) . ولهذا أشباه كثيرة .
قال قتادة: نزلت هذه الآية في مجالس الذكر ، وذلك أنهم إذا رأوا أحدهم مقبلاً ضَنَّوا بمجالسهم عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأمرهم الله أن يفسح بعضهم لبعض .
{وَإِذَا قِيلَ انشُزُوا} أي: انهضوا للتوسعة ، أو ارتفعوا في المجالس ، أو انهضوا عن مجلس الرسول ، إذا أمرتهم بالنهوض عنه ، ولا تملوه بالارتكاز فيه ، {فَانشُزُوا يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ} أي: يرفع المؤمنين بامتثال أوامره ، وأوامر رسوله ، والعالمين بها ، الجارين على موجبها بمقتضى علمهم ، درجات دنيوية وأخروية .
قال الناصر: لما علم أن أهل العلم بحيث يستوجبون عند أنفسهم وعند الناس ارتفاع مجالسهم ، خصهم بالذكر عند الجزاء ، ليسهل عليهم ترك ما لهم من الرفعة في المجلس ، تواضعاً لله تعالى . انتهى .
وهذا - كما قاله الشهاب - من مغيبات القرآن ؛ لما ظهر من هؤلاء في سائر الأعصار من التنافس في رفعة المجالس ، ومحبة التصدير .