فهرس الكتاب

الصفحة 237 من 291

قد انقطعت بي الحبال في سفري، فلا بلاغ لي اليوم إلا بالله ثم بك، أسألك بالذي أعطاك اللون الحسن، والجلد الحسن, والمال، بعيرًا أتبلغ به في سفري، فقال: الحقوق كثيرة. فقال له: كأني أعرفك، ألم تكن أبرص يقذرك الناس، فقيرًا، فأعطاك الله عز وجل المال؟ فقال إنما ورثت هذا المال كابرًا عن كابر، فقال: إن كنت كاذبًا فصيرك الله إلى ما كنت. قال: وأتى الأقرع في صورته، فقال له مثل ما قال لهذا، وردّ عليه مثل ما ردّ عليه هذا، فقال: إن كنت كاذبًا فصيرك الله إلى

ما كنت. وأتى الأعمى في صورته، فقال: رجل مسكين وابن سبيل، قد انقطعت بي الحبال في سفر، فلا بلاغ لي اليوم إلا بالله ثم بك. أسألك بالذي رد عليك بصرك شاة أتبلغ بها في سفري، فقال: كنت أعمى فردّ الله إليَّ بصري، فخذ ما شئت ودع ما شئت، فو الله لا أجهدك اليوم بشيء أخذته لله. فقال: أمسك مالك، فإنما ابتليتم فقد رضي الله عنك، وسخط على صاحبيك» أخرجاه.

قال الشارح:

هذا الباب شبيه جدًا بباب {يَعْرِفُونَ نِعْمَةَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا} [النحل: 83] ، وبباب {فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا} [البقرة: 22] .

لأن هذا الباب يتحدث عن نسبة النعم لغير الله، ولذا فإن مباحث الباب تمامًا مثل المباحث السابقة، وسوف نتعرض لشرح بعض عبارات الباب.

شرح الآية: {وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِنَّا مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي} [فصلت: 50] .

أذقناه: الضمير يعود للمنعم عليه.

ضراء: يقصد به الشدة والبلاء والمرض.

وزمن المرض والبلاء: قبل أن يذيقهم الله رحمة من عنده، أي أصابه أولًا الضراء والبلاء، ثم بعد ذلك ذاق رحمة الله.

لي: اللام للاستحقاق. أي: أنا مستحقه.

وذكر المصنف رحمه الله ثلاث تفاسير لهذه الآية.

التفسير الأول: تفسير ابن عباس؛ وإن كان المصنف بدأ بتفسير مجاهد، وتقديم تفسير الصحابي أولى.

قال ابن عباس:"يريد من عندي": بمعنى أن هذه النعمة بجهدي وبكدَّي.

وتفسير مجاهد: هذا بعملي: معناه: بسبب عملي.

وأنا محقوق به: أي جدير به.

وعلى كلا القولين لم ينسب النعمة إلى الله، وإنما نسبها إلى جهده وعمله.

تفسير قتادة: على علم مني بوجوه المكاسب، بمعنى قولك: إنه بجهدي.

وقال آخرون: ابن جرير والبغوي.

على علم من الله أني مستحق له.

والجامع للأقوال كلها، أنه نسب النعمة إلى جهده وعمله، وهذا يسمى نكران تناسي لفضل الله.

وهذا أحد أنواع نكران النعمة التي مرت في باب {يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ} [النحل: 83] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت