وأحبطت عملك: ماذا أحبط؟ هل أحبط كل أعمال هذا العابد أم العمل الذي يفتخر به عليه؟
فإن كان الأول: فإن الرجل كفر بهذا القول؛ لأنه حبط عمله.
وإن كان الثاني: فيكون العمل الحابط هو إنكاره المنكر على هذا الذنب: وهذا الأقرب.
وظاهر كلام أبي هريرة الأول؛ لأنه قال: «تكلم بكلمة أوبقت دنياه وآخرته» . لكن يقال هذا وعيد وليس من باب البيان والحكم.
مناسبة الحديث للباب: تحريم الإقسام على الله، وأنه يُنافي التوحيد أو كماله الواجب.
باب لا يستشفع
بالله على خلقه
عن جبير بن مطعم رضي الله عنه قال:
جاء أعرابي إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا رسول الله: نهكت الأنفس، وجاع العيال، وهلكت الأموال، فاستسق لنا ربك، فإنا نستشفع بالله عليك وبك على الله، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم: «سبحان الله! سبحان الله!» فما زال يسبح حتى عرف ذلك في وجوه أصحابه؛ ثم قال النبي - صلى الله عليه وسلم: «ويحك، أتدري ما الله؟ إن شأن الله أعظم من ذلك، إنه لا يستشفع بالله على أحد» وذكر الحديث. رواه أبو داود.
قال الشارح:
المسألة الأولى: تخريج الحديث:
وقع خلاف في تصحيح الحديث، فذكر الشارح أن الذهبي حسنه.
والقول الثاني أنه ضعيف؛ لأن فيه محمد بن إسحاق وقد عنعن وهو مدلس، وفيه جبير بن محمد وهو مجهول، وعلى ذلك فالحديث ضعيف؛ لأن المُضعَّف فسر ضعفه.
المسألة الثانية:
وإن كان الحديث ضعيفًا فإن أصل المسألة صحيح؛ بمعنى أن هذا القول لا يجوز أن يقوله الإنسان، أي قول «استشفع بالله على أحد من خلقه» ؛ لأن الاستشفاع بالله تنقيص لله، وقد دلت الأدلة والعقل على أن الله كامل قال تعالى: {وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ} [الإخلاص: 4] ، قال: {وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ} [البقرة: 255] ، وقال: {هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ} [فاطر: 15] .
المسألة الثالثة: معنى الاستشفاع:
هو طلب الشفاعة، ومعناه: أن تجعل شفيعًا لك عند بعض خلقه، وتطلب من الله أن يتوسط لك عند الرسول، أو عند إنسان حي قادر بشيء من الخير أو من المعروف.
وغالبًا: المشفوع به أقل من الشافع؛ لأنه طالب والطالب أنزل مرتبة.
وصورة المسألة: أن يطلب من الله فيقول: يا الله اشفع لي أو توسط لي عند فلان أن يقرضني مثلًا.