مسألة: وهل للعلماء والمفتين أن يلزموا الناس بفتواهم. فيقولوا هذا قولنا ويقول المفتي العام هذه فتواي ويمنع القول بغيرها أو مخالفتها؟
الجواب: لا يجوز وقد ناقش ابن تيمية هذه المسألة في الفتاوى وذكر أنها خلاف الإجماع. فكيف إذا عاقب على من خالفه أو سجنه أو منعه من الفتيا.
مسألة: فلو قال قائل فماذا تفعلون بما كان يفعله عمر بن الخطاب وعثمان رضي الله عنهما من إلزام الناس بقول واحد في مصلحة المسلمين؟
قلنا أولًا: ينبغي أن يُعرف أنهما فعلا ذلك في مصلحة المسلمين لا في هوى أو مصلحة الحكم أو الكرسي.
ثانيًا: غاية ما يدل على الإباحة، أما الوجوب فلا وأما أن يعاقب عليه ويسجن ويمنع المخالف أن يفتي مطلقًا فهذا حاشاهم، ذلك فما كان الصحابة يمنعون أحدًا من العلماء منعًا عامًا بعدم الإفتاء إنما هذه من الحكم بغير ما أنزل الله، وحتى لو فرض المنع فإنهم يمنعون في مسألة معينة فقط علمًا بأن ما فعله عمر وعثمان خالفهم غيرهما من الصحابة.
مسألة: هناك مسألة في الطاعة الخاصة من شخص خاص معين ليس له صفة العموم ليس كالأمراء والملوك والعلماء. مثل طاعة الزوجة مثلًا في تسمية الابن عبد الرسول أو عبد الحارث؟
فهذه من الشرك الأصغر وتأتي إن شاء الله في باب: {فَلَمَّا آَتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ ... الآية} .
باب قول الله تعالى
{أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آَمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا} [النساء: 60] الآيات. وقوله: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ} [البقرة: 11] ، وقوله: {وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا} [الأعراف: 56] الآية. وقوله: {أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ} [المائدة: 50] الآية.
عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعًا لما جئت به» قال النووي: حديث صحيح، رويناه في كتاب"الحجة"بإسناد صحيح.
وقال الشعبي: كان بين رجل من المنافقين ورجل من اليهود خصومة؛ فقال اليهودي: نتحاكم إلى محمد -لأنه عرف أنه لا يأخذ الرشوة- وقال المنافق: نتحاكم إلى اليهود -لعلمه أنهم يأخذون الرشوة- فاتفقا أن يأتيا كاهنًا في جهينة فيتحاكما إليه، فنزلت: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ} الآية.
وقيل: نزلت في رجلين اختصما، فقال أحدهما: نترافع إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -، وقال الآخر: إلى كعب بن الأشرف، ثم ترافعا إلى عمر، فذكر له أحدهما القصة. فقال للذي لم يرض برسول الله - صلى الله عليه وسلم: أكذلك؟ قال: نعم، فضربه بالسيف فقتله.
قال الشارح:
المسألة الأولى: موضوع هذا الباب.
هو الحكم والتحاكم إلى غير ما أنزل الله.