فكيف إذا كان مع ترك الأسباب فهو أشد؟ وإنما المطلوب من المسلم أن يفعل أو يعمل استعانة وحرصًا، ثم لا يجزع بعد ذلك من المقدور.
عن أبي بن كعب رضي الله عنه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «لا تسبوا الريح، فإذا رأيتم ما تكرهون فقولوا: اللهم إنا نسألك من خير هذه الريح، وخير ما فيها، وخير ما أمرت به، ونعوذ بك من شر هذه الريح، وشر ما فيها، وشر ما أمرت به» [صححه الترمذي] .
قال الشارح:
المسألة الأولى: شرح الترجمة.
النهي: طلب الكف على سبيل الاستعلاء، والأصل فيه التحريم.
وقوله:"سب": هو العيب والقدح والذم واللعن.
وقوله سب الريح: هذا من الاعتراض على قدر الله، لكن بدون كلمة"لو"، وإنما بالسب المباشر.
الحديث: «لا تسبوا الريح، فإذا رأيتم ما تكرهون فقولوا: اللهم إنا نسألك من خير هذه الريح، وخير ما فيها، وخير ما أمرت به، ونعوذ بك من شر هذه الريح، وشر ما فيها، وشر ما أمرت به» [صححه الترمذي] .
لا: ناهية، وهذا يعطينا حكم سب الريح وأنه حرام.
تسبوا: مرّ بنا معنى السب.
ومن أمثلة سب الريح: كأن يقول: «بئست هذه الريح» ، أو «هذه ريح شريرة» ، «الله يكره هذه الريح» ومثل قوله: «يا شين ها الريح» .
أما علة النهي عن سب الريح؛ لأن سبها سب لخالقها، كما أخذنا في باب «سب الدهر» .
مسألة: أحيانًا يكون سب الريح يخرج من الملة.
فيما إذا اعتقد أنها مستقلة بالفعل.
فسب الريح على قسمين:
1 -أن يسبها ويعتقد أنها مخلوقة مأمورة فهذا محرم، وعليه يحمل حديث أبي.
2 -أن يسبها على أنها فاعلة وهذا شرك في الربوبية، قال تعالى: {هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ} [فاطر: 3] .
"فإذا رأيتم": ومثله إذا سمعتم أو علمتم.
ما: موصلية بمعنى الذي.
وما يكره من الريح كشدة حرها أو شدة بردها.
فقولوا: الأصل في الأمر أنه للوجوب، ولكنه هنا للاستحباب؛ لأنه مبني على الإرشاد والتعليم.
اللهم: أي يا ألله.
نسألك من: تبعيضية، وهذا يدل على أن الريح فيها خير وفيها شر.
فيسأله من خيرها: وخير الريح مثل: إزالة الروائح، أو دفع السفن.