الحمد لله رب المستضعفين وناصرهم وقاصم الجبارين وهازمهم، وأصلي وأسلم على أشرف خلقه وخاتم رسله سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن سار على هديه، وبعد
لعل أهم ما يمكن التركيز والإشارة إليه بعد الثورات العربية أو ما اصطلح عليه بالربيع العربي هو تحسس أوضاع الأمة بعد حدوث هذه الثورات، وأهم ما تغير في البنية النفسية لجماهير الأمة، وهل كل الشرائح تفاعلت مع الثورات؟ وهل هي مستعدة لذلك؟ ما هي أهم العوامل التي ساعدت على هذه الثورات؟ وهل ما زالت قائمة في مجتمعاتنا العربية؟
مما لاشك فيه أن واقع أمتنا يتكون من ترسبات قديمة تراكمت على قلوب وعقول الناس لعقود من الزمن، يعود تاريخها على الأقل إلى فترة سقوط الخلافة الإسلامية العثمانية، وما تلاها من احتلال واسع لأراضي المسلمين وبُعد شعوبنا عن فريضة الجهاد وانغماسها في ملذات الحياة وقبولها للواقع الجديد الذي أملاه وفرضه الاحتلال عبر تنصيب أنظمة عميلة مرتدة عن دين الإسلام، تم تربيتها وإعدادها خصيصًا لحماية مصالح الاحتلال وتأمينها مقابل حماية مقابلة لهذه الأنظمة وإبقائها في سدة الحكم بالتوارث إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها أو إلى أن تنتهي صلاحيات رؤوس هذه الأنظمة ليستبدلها برؤوس أخرى أقدر وأقوى على إنجاز هذه المهمات القذرة.
ما هي الرسالة التي وجهتها هذه الثورات إلى شعوبنا؟
لنكون منصفين لابد من القول بأن هذه الثورات كانت نتيجة تراكم تضحيات ومعاناة للحركة الجهادية الصامتة في بلداننا، وذلك خلال العقود الماضية حيث كان شباب الصحوة المباركة وقادتهم والكثير من علمائهم يقاومون ويجاهدون هذه الأنظمة المرتدة لوحدهم، بل إنهم كانوا يُحّذِّرون ويفضحون أسياد هذه الأنظمة ومنبع حياتها المتمثل في النظام العالمي الصهيوصليبي، فكانت شعوبنا غافلة ومغيبة من ساحة المعركة، وكأن هؤلاء الشباب الموحدون يصرخون في وادي سحيق لا يُسمع لهم ركزًا.
فالرسالة التي يمكن أن تتلقاها شعوبنا من هذه الثورات التي شاركت فيها وصنعتها بنفسها هي الاعتراف أولًا بمن أسس الركائز الأولى لهذه الثورات وكان له الفضل الأول في بيان زيف هذه الأنظمة وفساد المركز الذي تدور في فلكه، ومن ثم البدء في زعزعة هذه الأركان وبذل التضحيات الجسيمة والغالية في سبيل ذلك، في وقت كان فيه الناس لا يجرؤون على التنفس جهرًا في ظل هذه الأنظمة القمعية الرهيبة، وكانت مسألة التغيير أو مجرد الطمع في تحسن الأوضاع من المستحيلات، فشعوبنا كانت تتأقلم مع هذه الأوضاع وتحاول أن تعزي نفسها