أما في مرحلة الجهاد، فإن النفقة تفرض نفسها أكثر، سواء على مستوى الوقت أو المال أو الأهل أو المناصب أو النفس وهي غاية الجود.
فبالنسبة لعنصر الوقت فإن المجاهد يتفرغ كليًا للجهاد، ولا يترك شيئًا من وقته للمسائل الأخرى إلا ما له علاقة مباشرة أو غير مباشرة بجهاده، فحياته تتحول إلى جندية حقيقية، تراه حاضرًا باستمرار في كل مواقع الجهاد، لا يغادر موقعه إلا بأمر من قيادته حتى لا يؤتى الإسلام من قبله، فالثغرة التي نستهين بها هي التي يمكن أن يدخل منها العدو، فيوقع فينا الخسائر الفادحة التي يمكن أن تهدم البنيان.
أما على مستوى المال، فإن المجاهد يساهم بماله في الجهاد ويسعى دومًا إلى تغطية متطلبات جهاده وجهاد غيره، كما أنه يساهم في البحث عن كل السبل الشرعية للحصول على الموارد المالية للتجمع الإيماني الذي ينتمي إليه، حتى لا يتوقف الجهاد، لأنه يدرك أن المال هو عصب العمل الجهادي، وبدونه لا يمكن التقدم وتحقيق أهدافه.
ومن هنا ترى المجاهد المخلص والصادق في جهاده يحس بالحرج والضيق حينما لا يجد ما ينفقه في سبيل الله، ويخاف من أن يقعده هذا النقص عن واجبات الجهاد فيكون من القاعدين.
ومن أنواع النفقة في مرحلة الجهاد أيضًا، هو إمكانية فقدان الأهل والولد في سبيل الله تعالى، وذلك حينما يكون المجاهد مخيرًا بينهم وبين ترك الجهاد والركون إلى الدنيا في مقابل الحفاظ عليهم، سواء بسبب رفض أهله مواصلة الجهاد معه، أو بسبب الضغوط والمساومات التي يتعرض لها من قبل الأعداء حيث يخيرونه بين ترك الجهاد وبين التضحية بأهله وولده، فلا يكون خياره حينئذ إلا مواصلة الجهاد والنفقة بأهله قربانًا إلى الله تعالى إما بالاستشهاد أو التهجير. وقد عاش الرعيل الأول من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم بعضًا من هذه الصور عند هجرتهم من مكة إلى المدينة، حيث حرمهم المشركون من أهليهم وأولادهم، وعاشها الكثير من المجاهدين في العصور التالية، وها نحن نرى نماذج أخرى في هذا العصر حيث قدَّم المجاهدون أمثلة رائعة في النفقة والتضحية بأهليهم وذويهم في مقابل مواصلة درب الجهاد والصمود، فللَّه درُّهم.
النفقة في العسر هي المحك، فهنا تظهر حقيقة الإيمان والالتزام، لأنه ما أسهل أن ينفق المرء في حالات اليسر، وما أسهل أن يدّعي المرء الشجاعة والكرم والجود في حالات الرخاء والفراغ، ولكن القليل من يوفِّي ويصدق في دعواه حينما تشتد المحن ويقل الزاد وينادي منادي الجهاد.
أنظروا كيف تعامل الأنصار مع بنود هذه البيعة عند أول امتحان لهم على أرض الواقع، وذلك عندما هاجر إليهم إخوانهم من مكة، فطلب منهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يتآخوا في الله أخوين أخوين، فاستجابوا لهذا