النداء النبوي وزيادة، حيث قسموا أموالهم وبيوتهم نصفين مع إخوانهم المهاجرين، بل منهم من طلب من أخيه المهاجر أن يختار إحدى زوجتيه ليطلقها فيتزوجها أخوه (يتعلق الأمر بسعد بن الربيع مع عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنهما) .
وصور أخرى فريدة من نفقة الأموال والأنفس في الغزوات تعج بها كتب السيرة، لولا خوفي من الإطالة لذكرت العشرات منها، وكان الصحابي يأتي ليجاهد فلا يجد ما ينفقه في سبيل الله فيرجع باكيًا متحسرًا ألا يستطيع الخروج مع الجيش، {وَلا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ، تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ أَلا يَجِدُوا مَا يُتْفِقُون} [التوبة 93] .
وبعد،
إذا ألقينا نظرة فاحصة على واقع الحركات الإسلامية المعاصرة، فإننا نجد صنفين أساسيين لا ثالث لهما، صنف يسير وفق بنود بيعة العقبة، خاصة البندين سالفي الذكر (الطاعة والنفقة) ، حيث نجد أفرادها يلتزمون بهما ويجسدانهما خير تجسيد، ومن أجل هذا نجحت وتقدمت في مسيرتها الجهادية وأصبحت تهدد وتخيف العالم الكافر وأعوانه من المرتدين والمنافقين، وتحولت إلى شوكة في حلوقهم لن تزول حتى تحقق أهدافها بإذن الله.
والصنف الثاني انحرف عن هذه البيعة ولم يحقق بنودها كما يجب، خاصة في مسألة النفقة، حيث اتخذوا هذا الدين حرفة ثانوية، واتخذوه سلمًا للوصول إلى مآربهم الشخصية وبقرة حلوبًا يقتاتون منها، فتأخرت مسيرتهم وحادوا عن النهج الصحيح، واندحرت حركتهم وبقيت تدور حول نفسها بالرغم من كثرة أفرادها.
وقد تنبه الأعداء إلى هذه الثغرة الكبيرة في صفوف الحركات الإسلامية، فحاولوا اللعب على هذا الوتر الحساس وروَّضوا المسلمين على حب المناصب والارتباط بها، وأوهموهم بأنها وسائل ناجعة لخدمة الدين، فتحولت هذه الوسائل إلى أهداف وغايات لدى أصحابها، حتى نسوا الغايات الحقيقية، وعز عليهم التفريط والنفقة بهذه الوسائل، وزهدوا في دينهم وزين لهم الشيطان أعمالهم وأضلهم عن السبيل.
نسأل الله جل وعلا أن يعيننا على تحمل مسؤولياتنا وتجسيد بند النفقة في سبيل الله في اليسر والعسر، بأوقاتنا وأهلينا ومساكننا ومناصبنا وتجارتنا وأنفسنا، ويجعل كل هذا وسائل لخدمة ديننا، لا أهداف في حد ذاتها، كما نسأله عز وجل أن يعيننا على تطبيق قوله تعالى {قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالُُ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةُُ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنَ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ، فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِين} [التوبة 24.] .