مراحل الإعداد. فالدعوة والتنظيم كلاهما يتمان في السرية ريثما يتم إعداد القاعدة الصلبة التي تنطلق فيما بعد من أجل الجهر بالدعوة، وهي الدعوة إلى الكفر بالطاغوت والإيمان بالله عز وجل، ثم إلى تحريض الناس على جهاد هؤلاء المرتدين الذين اغتصبوا حكم الله بالقوة، وجعلوا من أنفسهم آلهة وأربابًا يُعبدون من دون الله ويشرعون قوانين مخالفة لشريعة الرحمن، يفرضونها على الناس بالحديد والنار.
أما التنظيم فإنه يتم بطريقة سرية - في جميع مراحل العمل - حتى بعد مرحلة التمكين، وهو ما يشير إليه قوله صلى الله عليه وسلم: (استعينوا على قضاء حوائجكم بالسر والكتمان) ، وقد كان عليه الصلاة والسلام يطبق هذه النصيحة والقاعدة الأمنية في حياته كلها، خاصة في غزواته، حيث كان يموه دائمًا على العدو وجهة خروجه وحتى وقت هجومه.
فنحن يجب أن نعتبر أنفسنا في حرب مفتوحة مع أعدائنا، والحرب خدعة، وهي تستلزم السرية المطلقة في التحرك والتنظيم، ومزيج من السرية والجهرية في الدعوة والاستقطاب، وسط بين أولئك الذين ميعوا الدعوة ففتحوا الأبواب لكل من هب ودب دون شروط ولا مراقبة، فرأينا بعض المنافقين والعملاء والمندسين يصلون إلى مراكز المسؤولية والتسيير داخل هذه الجماعات، وبين تلك الجماعات التي تعمل في الظلام ولا تؤمن أبدًا بالعمل الجهري والعلني في أي وقت من الأوقات، فقزّموا الدعوة وحكموا على جماعتهم بالجمود والتحرك في دائرة صغيرة جدًا، فسقطوا في متاهات التفريط كما سقط الفريق الأول في مستنقع الإفراط.
فالحق يتطلب منا في بعض الأحيان أن نجهر به، حتى وإن أدى ذلك إلى بعض التضحية وإلى كشف يعض الأسرار، ولا ننسى أبدًا أن قول كلمة الحق عند سلطان جائر هو سيد الجهاد، كما أن الذي يموت في سبيل ذلك يعتبر سيد الشهداء، فما بالك بالجهر بالحق في وجه سلطان مرتد استبدل شرع الرحمن بشرع الشيطان، هذا بالإضافة إلى الثمار الكبيرة والعظيمة التي ستدرّها على الدعوة، مصداقًا لقوله تعالى: {ومثل كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء، تؤتي أكلها في كل حين بإذن ربها} .
ولا يفوتني هنا أن أنبه على نقطة هامة في الموضوع، وهي أن القيادة في التجمع هي التي تحدد للفرد كيفية التحرك، وهي التي تختار كذلك الوقت المناسب للعمل العلني أو السري، بناء على معطيات كثيرة وعوامل متعددة، يفرضها الواقع والحركة بهذا الدين، فالأمر ليس نظريًا بحتًا إنما يتغير من ظرف لآخر، ومن مكان إلى آخر، وليس مبنيًا على عواطف الناس ودوافعهم الشخصية.