فهرس الكتاب

الصفحة 246 من 735

أنظروا كيف تعامل الأنصار مع بنود هذه البيعة عند أول امتحان لهم على أرض الواقع، وذلك عندما هاجر إليهم إخوانهم من مكة، فطلب منهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يتآخوا في الله أخوين أخوين، فاستجابوا لهذا النداء النبوي وزيادة، حيث قسموا أموالهم وبيوتهم نصفين مع إخوانهم المهاجرين، بل منهم من طلب من أخيه المهاجر أن يختار إحدى زوجتيه ليطلقها فيتزوجها أخوه.

وصور أخرى فريدة من نفقة الأموال والأنفس في الغزوات تعج بها كتب السيرة، لولا الخوف من الإطالة لذكرت العشرات منها، وقد كان الصحابي يأتي ليجاهد فلا يجد ما ينفقه في سبيل الله فيرجع باكيًا متحسرًا ألا يستطيع الخروج مع الجيش، {وَلا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ، تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ أَلا يَجِدُوا مَا يُتْفِقُون} [5] .

فالنفقة في العسر تعتبر قمة لمفهوم {حتى تُنفقوا مما تحبون} ، وحينما علم الله صدق المنفقين وأنهم قد أعطوا لربهم أعز ما يملكونه وفي أحلك الظروف والأوقات فإن الله تعالى يكافئهم بما هو أعز وأغلى {يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ، وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ} [6]

حتى تنفقوا مما تحبون

النفقة مفهوم عام لابد من تحديده وتقنينه ليؤتي ثماره المرجوة التي نحن بحاجة إليها آنيًا، لأن الكثير من الجهود قد يبذلها المؤمنون ونظرًا لعدم توافقها مع الزمن والمكان المناسبين قد تذهب سدى ولا تنفع مسيرة العمل في شيء، بينما يبقى الأجر ثابتًا والعمل مقبولًا إن شاء الله تعالى.

فينبغي أن نفرق بين النية أو الإخلاص وبين طريقة تنفيذ العمل نفسه، لا أقصد شرط المتابعة وهو موافقة العمل لهدي النبي صلى الله عليه وسلم ولكني أقصد الجانب العملي والتطبيقي، حيث أنه ليس هناك تلازم بين الشرطين ليكون العمل مقبولًا عند الله عز وجل، فيكفي أن تكون نية المؤمن صادقة وخالصة لله ليكون عمله مقبولًا ويكون هو مأجورًا، بينما المطلوب أن يعطي هذا العمل ثمرة نافعة للدين وللمسلمين على أرض الواقع.

نريد أن يكون لدى المسلم حكمة في التحرك ومراعاة لظروف الواقع الذي يتحرك فيه، واختيار التوقيت والمكان المناسبين للإقدام على العمل الذي يريد.

لا نريد أن يكون همُّ المسلم هو فقط إسقاط الواجب اتجاه دينه ثم يواصل حياته العادية وكأنه غير راع ولا مسئول، فهذه حالة لا يُرجى من ورائها سوى المزيد من التخلف والسلبية وتسلط الأعداء علينا وعلى خيراتنا، والأخطر من هذا كله، هو ترسيخ هذه الظاهرة في نفوس المسلمين لتتحول إلى قاعدة وأصل في ديننا، بحيث يتحجج كل واحد منا بقوله تعالى {لَا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} [7] ، فنكتفي بالأعمال الثانوية والجهود الزهيدة، ونعطي لديننا فتات الفتات ونحسب أننا نحسن صنعًا.

نفقة مستمرة ومتواصلة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت