بسم الله الرحمن الرحيم
وبه نستعين ..
الحمد لله رب السماوات والأرض خالق الإنسان من طين ثم سواه فعدله فسواه في أحسن تقويم، وأرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره الكافرون، وعد المؤمنين بجنات عدن تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدًا، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء وإمام المرسلين وعلى آله وصحبه أجمعين، ثم أما بعد
انطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة يدعو إلى الله وهو لا يملك قوت يومه فضلًا عن أن يملك جاهًا أو متاعًا أو سلطة يغري بها أتباعه والمصدقين برسالته.
فطبيعة هذا الدين وقوته أنه يربط المؤمن بربه، لا تغريه مصلحة ولا متاع ولا ترهبه سلطة ولا قوة عن الإيمان بالله، لكي يكون انتماءه خالصًا لله تعالى فلا يتزحزح إيمانه ولا يرتد عن دينه.
كذلك ينبغي أن يكون الدعاة من بعده، لا ينتظرون من أتباعهم وأنصارهم أي مصلحة أو أجر أو مغنم {لا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاء وَلا شُكُورًا} [الإنسان 9] ، بل يربطهونهم بخالقهم بعد أن يوجهوهم الوجهة الصحيحة لعبادة الله تعالى وحده والتضحية في سبيل نصرة هذا الدين.
فالمؤمن إذن حينما يقدم على اعتناق هذا الدين العظيم لا يضع نصب عينيه سوى إرضاء الله تعالى وذلك بالسعي إلى القيام بما فرضه الله عليه من واجبات، فتجده يضحي بما يملك من أجل تحقيق ذلك {إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ} [التوبة 111] ، فالعقد الذي بينك وبين الله أيها المؤمن هو أن تقدم نفسك ومالك وتقاتل في سبيل الله لنصرة دين الله مقابل الفوز بالجنة.
عقد واضح وصريح لكنه مكلف وثقيل التبعات، ولا يدرك هذا إلا من وفقه الله للوقوف على مشقات هذه الدعوة التي تتحول عند صاحب العزيمة العظيمة والهمة العالية والإخلاص الفريد إلى منحة ولذة لا نظير لها تدفعه دفعًا للالتزام بهذا العقد الفريد وتقديم الثمن طائعًا غير متردد، ومقبلًا غير مدبر، وراضيًا غير ساخط.